** أزمة الأنابيب الموسمية **
المشكلة والحل
تحقيق هيام محى الدين
يحتفل المصريون كل
عام بعيد الأنبوبة وبنفس الطقوس التي تنشرها وسائل الإعلام كل عام من صور
المحتفلين من رجال ونساء يحملون الأنابيب الفارغة تحت المطر ويحتشدون أمام
المستودعات في مواجهة عواصف الرياح الباردة ؛ ويقومون بتدريبات رياضية للتدفئة من
خلال التشاجر وتسخين عضلات الجسم واستخدام أقصى طاقات معجمهم اللغوي في الردح
والدعاء على كل من كان السبب ويعد هذا العيد الفريد موسماً للبلطجية وتجار السوق
السوداء فيرتفع سعر الأنبوبة الفاتنة من ثماني جنيهات إلى أربعين جنيها وأحياناً
إلى خمسين وستين ؛ وقد نشرت الصحف منذ أيام أن مواطنا تمكن من الحصول على ثلاثة
أنابيب فمات من الفرحة ؛ وتروج في هذا العيد " مولد الشيخة أنبوبة " سوق
رسامي الكاريكاتير الذين يبرزون برسومهم عشرات الأفكار الساخرة من الحكومة ووزراء
البترول والتموين وحتى الأهالي المطحونين وكل من له صلة بالحاجة أنبوبة.
يحدث هذا كل عام في
نفس الوقت ؛ دون أي إبداع جديد يغير من طقوس العيد ؛ ولم أستطع كمواطنة مصرية
عادية أن أفهم لماذا لا تستعد أجهزة الدولة المعنية ؛ وهي تعلم توقيت الأزمة جيداً
لمواجهتها قبل حدوثها ؛ نزلت إلى الشارع المصري لأسمع وأرى ؛ التقيت بحاملات
الأنابيب على الرءوس وبعضهن ذاهب إلى المستودع ماشيات رغم بعد أماكن المستودعات عن
المساكن ؛ وأخريات عائدات من المستودع بخفي حنين وبنفس الأنابيب اللاتي ذهبن بها ؛
كما التقيت بأصحاب المستودعات وناقشت معهم أسباب الأزمة من وجهة نظرهم ؛ وأخيراً
التقيت بأحد زعماء المستغلين للأزمة من فتوات السوق السوداء ؛ على أساس أني مجرد
زبونة مستعدة للدفع فماذا قالوا ...... !؟
تقول علية المصري ربة
منزل أنها تملك أنبوبتين وكانت إحداهما قد فرغت منذ أسبوعين ولم يمر الموزع الذي
كان يبيعها بخمسة عشر جنيهاً وأتسلمها على باب شقتي ؛ وخشيت أن تفرغ الثانية فأحتاس
وليس لدى أي وسيلة أخرى للطبخ فحملت الأنبوبة على رأسي لأن زوجي يعمل طوال اليوم
ولا يأتي إلا في المساء وذهبت إلى المستودع وفي بالي أن أعود بها مملوءة باستئجار
" توك توك " وحين رأيت الزحام والمشاجرات والشتائم والتضارب حول
المستودع ؛ لم أستطع الحصول على أنبوبة مملوءة فعدت بها إلى المنزل بعد أن أنفقت
عشرة جنيهات على " التكاتك " بلا فائدة ؛ واليوم فرغت الأنبوبة الثانية
واضطررت أن أدفع خمسين جنيها لأحد البلطجية لأحصل على أنبوبة واحدة مملوءة أخف
كثيراً من الوزن الطبيعي ورفعت عليه يديها إلى السماء تدعو الله أن يصيب كل من كان
السبب في هذه الأزمة بالعمى والفقر وتوجهت إلى أحد مستودعات البوتاجاز بمدينة ميت
غمر ؛ ورغم كل ما يحيط به من مشكلات الزحام ونقص الوارد من الأنابيب فقد وافق على
الحديث معي لدقائق حتى تصل اللوريات من محطة التعبئة وتبدأ المعاناة ؛ وقال لي:
يأتي الغاز الصب عبر موانئ السويس والإسكندرية وبورسعيد ؛ وقد أسهم سوء الأحوال
الجوية في تأخير تفريغ هذه السفن وإرسال الغاز الصب إلى محطات التعبئة ؛ ولم تتحرك
وزارة البترول بالسرعة الكافية لاستخدام الاحتياطي الاستراتيجي ؛ مما تسبب في عدم
وصول الكمية المناسبة للمستودعات وبلغ العجز أكثر من 60% مما تسبب في تفاقم الأزمة
والمعروف أن الاستهلاك يزيد في أشهر ديسمبر ويناير وفبراير بنسبة تتراوح ما بين 15
إلى 30% من الاستهلاك العادي ولكننا على المستوى المركزي نتأخر كثيراً في معالجة
الأزمة ولا تبدأ الدولة في مواجهة المشكلة إلا بعد حدوث الأزمة دون أي تخطيط مسبق
؛ كما أن أصحاب مزارع الدواجن ومصانع الطوب يفضلون استخدام الأنابيب الكبيرة
المخصصة للمطاعم ويدفعون للسماسرة والبلطجية أسعاراً مضاعفة فيها ، مما يشجعهم على
استخدام كل الوسائل للحصول على أكبر عدد من كوبونات الأنابيب لكسب سريع ومرتفع ؛
ويضاف إلى هؤلاء سائقو التكاتك الذين تروج أعمالهم بالانتقال من المدينة إلى مقر
المستودع بصرف النظر عن نجاح ركابها في الحصول على أنبوبة من عدمه.
وأمام المستودع
التقيت بسائق سيارة نصف نقل معبأة بأكثر من ثلاثين أنبوبة فارغة ويحمل بيده مجموعة
من الكوبونات ؛ فقلت له إن معي كوبونين فهل تسمح لي بأن آتيك بالفوارغ وتوصل
لمنزلي الأنبوبتين المملوءتين حين يصل اللوري ؛ فضحك وقال لي: أنا مش موزع أنابيب
ياست دا أنا شاري الكوبونات دي علشان أملا أنابيب المزرعة ؛ فطلبت منه أن يدلني
على من يساعدني ؛ وحين نظر إلى بشك لأني خارجة
لتوى من مكتب صاحب المستودع ؛ فأكدت له أنه رفض مساعدتي لكي لا يسمع كلمة تحرجه ؛ فنادى
على أحد الأشخاص واسمه عليوة وأوصاه بي وعرضت على عليوة نفس العرض فوافق على أن
يوصل لمنزلي أنبوبتين مقابل ثمانين جنيها ؛ وحين سألته عن عمله الأصلي بحجة أن
أصبح إحدى زبائنه أخبرني أنه يمتلك " تريسكل " يقوم بنقل البضائع إلى
المحلات ويعتبر أزمة ومشكلة هناك أغلبية ساحقة تعاني من إهمال وكسل وخيبة وضعف رؤية
المسئولين وأقلية انتهازية تتكسب بأرباح خيالية من هذه المعاناة فالأخ عليوة يحصل
يوميا خلال هذه الأزمة على أكثر من ألفي جنيه ربحا صافيا ؛ فمتى نجد حكومة رشيدة
ودولة مهيبة ، وفكراً ناضجاً وإحساساً بالمسئولية.
هيام محي الدين

0 تعليقات:
إرسال تعليق