** لماذا الآن؟!**
كتبت هيام محى الدين
الهجوم المسلح على
مجلة شارلي ابدو الفرنسية الساخرة واحتجاز رهائن في متجر للطعام اليهودي وقتل
شرطية فرنسية إلى جانب مقتل اثنى عشر محرراً وصحفياً من العاملين بالمجلة وأربعة
من رهائن المتجر وإصابة العشرات ؛ كان مجزرة غريبة وغير مبررة منطقياً ؛ وتثير
الكثير من الشكوك والأسئلة الحائرة التي تحتاج إلى إجابات مقنعة ؛ فمسألة نشر صور
ساخرة تمس رسول الله صلى الله عليه وسلم مضت عليها سنوات وشارلي ابدو نقلتها عن
مجلة دانمركية لم يمسها أي هجوم والصحيفة الفرنسية الساخرة لم تترك شخصية في
العالم دون أن تسخر منها برسومها ؛ ولم تضعها أي جماعة أو فئة على أولويات
الانتقام أو الرد ومشاركة فرنسا في الحلف الدولي ضد داعش وجماعات الإرهاب
المتأسلمة تشارك فيه أكثر من عشرين دولة فلماذا فرنسا بالذات ؟! وقبل أسبوع من
مجزرة باريس تم حرق مقر مجلة سويدية في استكهولهم والسويد ليست عضوا في التحالف
ولكن اختيار السويد ثم فرنسا لتنفيذ عمليتين خلال أسبوع واحد ، واختصاص فرنسا
وباريس بالذات بمجزرة مخطط لها بدقة ؛ وقام بها إرهابيون محترفون مسجلون على قوائم
الإرهاب الخاصة بالمخابرات الأمريكية ؛ ولم يخطر الأمريكيون المخابرات الفرنسية به
أو تطلب حتى مراقبته ؛ مما يثير شكوكاً عميقة نحو دور ما لعبته المخابرات
الأمريكية في الأمر .. ومن هنا نجد أمامنا
إجابة واحدة تشير إليها دلائل متعددة فالعمليتان مخططتان بحرفية مخابراتية عالية
وممولتان جيداً ؛ ومشاركة " نتنياهو " السريعة واستغلاله السريع للموقف
في إثارة التعاطف مع اليهود ونقل جثث الرهائن الذين قتلوا في المتجر لدفنها في جبل
الزيتون بالقدس ومناشدته اليهود الفرنسيين الهجرة إلى إسرائيل بحجة تعرضهم لخطر
الإرهاب في فرنسا فالإجابة الوحيدة المقنعة أن العملية كلها مدبرة أمريكيا وإسرائيليا لتأديب فرنسا
وشد أذن السويد والمشترك الوحيد بينهما والذي أثار غضب الأمريكيين من الدولتين هو
اعترافهما بالدولة الفلسطينية ؛ وموافقة فرنسا في مجلس الأمن على مشروع القرار
الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ذلك القرار الذي ضغطت أمريكا بكل قدراتها
على أعضاء المجلس لرفضه ؛ علاوة على ضيقها الشديد بمحاولات فرنسا الدءوبة منذ عصر
الجنرال " ديجول " للتخلص من التبعية للسياسة الأمريكية وانتهاج سياسة
مستقلة في علاقاتها بالعالم عن السياسة الأمريكية ؛ وأخيراً صفقة الأسلحة المتقدمة
التي عقدتها مع مصر من طائرات وسفن حربية مما يهدد احتكار أمريكا لتوريد السلاح
للجيش المصري ؛ وقد كان هذا السبب نفسه أحد أسباب الحصار الأمريكي والعقوبات
الغربية لروسيا الاتحادية ؛ ولكن فرنسا بخروجها عن التبعية للسياسة الأمريكية أكثر
خطراً على الولايات المتحدة فروسيا عدو سابق ومنافس محتمل أما فرنسا من وجهة النظر
الأمريكية فصديق خائن وتابع خرج على إرادة
المتبوع ، ولابد من ردعه.
وبالطبع وجدت
المخابرات الأمريكية في عناصر التطرف الإسلامي الإرهابية من تستطيع دفعهم لارتكاب
هذه الجرائم الإرهابية عن طريق عملاء متأسلمين لا تظهر لهم أي علاقة بجهازي
المخابرات الأمريكي أو الإسرائيلي ولا اعتقد شخصياً أن هذه اللعبة ستنطلي على
المخابرات الفرنسية المتميزة والتي مثل لها الحادث الإرهابي فشلا مخجلا وسقوطا
مزريا ؛ كما أن الأمريكيين والإسرائيليين لن يبذلوا جهداً كبيراً في إخفاء أو إنكار
ترحيبهم بما حدث لكي تصل رسالتهم إلى الفرنسيين قائلة " هذا هو جزاؤكم من
العرب والمسلمين الذين تقفون إلى جانبهم وتدعمونهم وأصبحوا أكبر جالية تمثل أقلية
دينية في فرنسا بتعداد يزيد على ستة ملايين ونصف المليون مسلم فرنسي ".
وفي رؤيتي الشخصية أن الرسالة الأمريكية
الإسرائيلية سوف تأتي بأثر عكسي ؛ وسوف تزيد في ابتعاد فرنسا عن التبعية لأمريكا ؛
وقد تدفعها لسلوك سياسة أكثر شدة مع إسرائيل ودليلي على ذلك ان الرئيس الفرنسي
" هولاند " قد بعث برد مباشر على رسالة الأمريكيين وأذنابهم حين ناشد
الشعب الفرنسي أن يخرج في مظاهرات حاشدة لتفويضه في محاربة الإرهاب كما فعل الرئيس
المصري عبد الفتاح السيسي حين كان وزيراً للدفاع في يوليو 2013 في رسالة مباشرة
للأمريكيين أنه لن يستجيب لضغوطهم ؛ خاصة حين تحدث عن الإسلام كدين يدعو للمحبة
والسلام وتكريم الضابط الفرنسي المسلم " أحمد " الذي قتل في الهجوم على
الصحيفة والعامل المسلم الفرنسي من أصل سنغالي الذي أنقذ عدداً من زبائن المتجر
وخبأهم في ثلاجة حتى لا يشعر بهم الإرهابي " كوليبالي " الذي احتجز
الرهائن مما أعطى للرئيس الفرنسي الفرصة للرد المباشر على أمريكا وإسرائيل مؤكداً
أن فرنسا قادرة على حماية أمنها وشعبها بكل طوائفه ودياناته وأعراقه دون تمييز أو
اضطهاد.
وأعتقد أن فرنسا بعد
هذا الحدث البشع سوف توثق علاقاتها بدول المنطقة التي تحارب الإرهاب وتفتح أبواب
مساعداتها التقنية والعسكرية والمخابراتية ؛ محافظة على مسافة فارقة بينها وبين
الولايات المتحدة ؛ أما موقفها من إسرائيل فأتوقع أن يزداد النفور الفرنسي من
إسرائيل حيث لم تخف الأخيرة شماتتها فيما حدث بباريس ومعايرتها لفرنسا ومحاولة
إحراجها لأنها اعترفت بالدولة الفلسطينية ولأنها تؤيد الحق العربي وتشجب العدوان
الإسرائيلي ؛ ولا اظن ان فرنسا سوف تغفر ذلك لنتنياهو.
وفي النهاية فإن
الحرب على الإرهاب سوف تأخذ منحنى أكثر جدية وحزما ؛ خاصة من الدول الأوربية وظني
أن ليبيا ستكون الميدان القادم للحرب على الإرهاب وأن دوراً مؤثراً سوف يكون
لفرنسا وإيطاليا مع مصر والجزائر في استعادة الدولة الليبية المدنية .. وإن غدا
لناظره قريب.
هيام محي الدين

0 تعليقات:
إرسال تعليق