Ads

الحفاظ على ثوابت الوطن فريضة شرعية وضرورة مجتمعية

بقلم : د. عبد الحليم منصور
وكيل كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالدقهلية 
كل وطن من الأوطان يقوم على مجموعة من الركائز والدعائم ، بدونها يختل نظامه ، ويتزعزع بنيانه ، ومصر الكنانة على هذا النحو يثبت أركانها وقواعدها ، مجموعة من الثوابت والأركان ، بدونها تهتز قوائهما ، وتصبح في مهب الريح ، من أهم هذه الركائز ما يأتي :
1 – مؤسسة الجيش : الجيش يعتبر من أهم قواعد أي بلد في العالم ، ويمثل الركيزة الأساسية فيه ، وتقوى الدول بمدى قوة الجيش الذي يحمي حدودها ، ويحمي شعبها ، ومقدراته ، والجيش المصري على هذا النحو ، نحسبه قوة لا يستهان بها في المنطقة العربية والإسلامية بل وفي العالم بأسرة ، فهو مؤسسة منظمة منضبة تؤدي رسالتها نحو شعبها بكل أمانة وحب ووطنية ، ما تَفْتَأُ تقف إلى جوار الشعب المصري في كل المواقف وأحلك الأزمات ، حدث ذلك خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 م ، حيث انحاز الجيش إلى الشعب المصري وحمى إرادته ، ووقف إلى جواره ، وأسقط الرئيس الأسبق حسني مبارك ، ووقف أيضا وانحاز إلى إرادة جموع المصريين في 30 /6 /2013 م وأسقط الرئيس مرسي أيضا ، محققا طموح ورغبة جموع المصريين ، فضلا عن حمايته لتراب الوطن من الإرهاب والإرهابيين . وإذا أردنا أن نتلكم على الجيش كمؤسسة ذات تاريخ وعطاءات متعددة ومتنوعة لن يسعنا المقام ، ولكن الذي أدعو إليه هو الحفاظ على هذه المؤسسة العريقة ، والوقوف بكل قوة في وجه كل من يريد هدمها سواء في الداخل أو الخارج ، والالتفاف حولها ، لأن سقوط الجيش يعني سقوط مصر، ويعني الدخول في نفق الحروب الأهلية ، ويعني تقسيم تراب الوطن ، وضياع حبات رماله ، ويعني حدوث مجاعات ، وتشريد الأسر والجماعات ، ويعني وضع مصر في مهب الريح .
ومن أراد أن يعرف صدق ما أقول وأكثر منه فلينظر إلى العراق بلد الرافدين ، ماذا حدث لها بعد سقوط الجيش العراقي ، وماذا عن حالها ؟ وحال أهلها ؟ وحال مقدراتها ؟ ومن أراد المزيد فلينظر إلى سوريا وما بها من حروب ، ومذابح ، ودماء ، وكذا ليبيا ، وكذا اليمن ، والسودان ، كل هذه الدول ، ومن ثم فما تفعله بعض الجماعات ، التخريبية ، أو التكفيرية ، التي تدعو للخروج عليه الجيش وقتل رجاله وإسقاطه فهؤلاء هم المفسدون أعداء الوطن الذين يريدون خرابه ، وإفساده ، وتقسيمه من أجل مصالح وأغراض شخصية .
2 – من الثوابت أيضا التي تعرف بها الهوية المصرية مؤسسة الأزهر الشريف : الأزهر الشريف مؤسسة تضرب بجذورها وأغصانها عبر تاريخ تليد مجيد يربو عمرها على الألف عام ، وترنو بأغصانها نحو مستقبل مشرق ، تستشرف الخير لمصر ولكل أبنائها ، تعمل على الحفاظ على وسطية الدين ، وتقدمه في صورته المثلى وثوبه القشيب بلا إفراط ولا تفريط ، يملأ صيتها الآفاق ، ومن يسافر في بلاد الشرق والغرب في قارات الدنيا كلها يعرف قيمة مصر من خلال أزهرها الشريف ، ومن خلال تقدير العالم له ، وفي الفترة المنصرمة الماضية كان البعض يعمل على اختراق الأزهر وأخونته ، والبعض الآن يعمل على إسقاطه ، وزعزعة استقراره ، وتشويه صورته ، وهذا الأمر من شأنه أن يساعد على نماء وترعرع الجماعات الإرهابية ، وأن يساعد على نشر الفكر المعوج ، المتشدد ، وينتج عن ذلك انتشار التكفير ، واستباحة الدماء ، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة ، تهدد استقرار مصر والمصريين جميعا .
إن الهجمة الشرسة التي تشن في هذه الأيام على الأزهر ورجاله إنما هي حملة ممنهجة المقصود منها هدم بنيانه ، وتقويض أركانه ، وزعزعة استقراره ، وهذا يخدم مصلحة أعداء الأمة من كل حدب وصوب ، ويصب في مصلحة الجماعات الإرهابية إذ إنها تدرك جيدا أن مؤسسة الأزهر هي الجهة الوحيدة القادرة على الصمود أمامها وكشف عوارها وسوءاتها أمام العالم كله 
إن العواصف الصحراوية التي تهب على سماء الأزهر اليوم محملة بالغبار والأتربة والرمال من كل حدب وصوب ، قد تغبر بعض مظهره قليلا ، ثم ما يلبث أن يزول كل ذلك ويعود البريق واللمعان أجمل مما كان .
إن الأزهر مؤسسة لا ككل مؤسسات الدنيا فهي أعرق وأقدم مؤسسة علمية على مدار التاريخ الإنساني كله ، ورغم كل ذلك نعترف أن لدينا بعض المشكلات ، ونعمل جاهدين على حلها ، ونعمل على التطوير نحو الأفضل ، ونؤمن كل الإيمان أن التطور لا يقف عند حد ، ولابد من تقليب وجوه النظر بين فينة وأخرى في أشياء كثيرة كالخطاب الديني ، والمقررات الدراسية ، وتدريب الكوادر التدريسية القادرة على النهوض بأبنائنا الطلاب إلى أفضل مستوى ، وصيانة الأماكن التعليمية ، والاستعانة بالوسائل الحديثة في التدريس والتعليم ، وأيضا وضع الخطط اللازمة للحصول على الاعتماد الأكاديمي من هيئة ضمان جودة التعليم والتدريب ، كل هذا وغيره أمام نظر وعيون المسئولين في الأزهر الشريف ، ويعملون بكل ما أوتوا من قوة على النهوض والتطور نحو الأحدث دوما .
3 – مؤسسة القضاء : النظم الحديثة في الدول المتقدمة تقوم على تقسيم السلطات في البلاد إلى : سلطة تنفيذية ، وسلطة تشريعية ( البرلمان ) وسلطة قضائية ، والسلطة القضائية تتنوع اختصاصتها ما بين قضاء دستوري ، يراقب مدى دستورية القوانين التي سنها ممثلو الشعب مع الدستور الذي وافق عليه الشعب ، فإن كان ثم عوار أو مخالفة له حكم بعدم دستوريته وبطلانه . 
وقضاء إداري يختص بالمنازعات التي تحدث بين الأفراد وجهات الإدارة ، ليحمي الأفراد من عسف وظلم الإدارات المختلفة من أدناها إلى أعلاها ، وكم كان القضاء الإداري عظيما وشامخا في الوقوف أمام الدولة في بل وفي وجه رئيس الدولة أحيانا ليلغي له بعض القرارات ولينصف بعض المظلومين منه ، وكذا قرارات الحكومة في بعض الأحيان . 
وقضاء مدني ، يحكم في المنازعات التي تحدث بين الأفراد في الأمور المدنية ، وقضاء جنائي يختص بنظر المنازعات الجنائية التي نص عليها الدستور والقانون .
ولاشك أن السلطة القضائية هي حامية الحقوق والحريات في مصر ، إليها يهرع كل مظلوم ، وضعيف ، وصاحب حق ، وكم أنصف قضاء مصر الشامخ كثيرا من المظلومين حتى من بعض ذوي السلطان والبطش ، بل ومن الحكومة ذاتها ، ومن ثم فالعمل على هدم مؤسسة القضاء ، بما فيها من خبرات ، ومن شيوخ القضاء في مصر والعالم ، لا يمت للضمير الإنساني العاقل بصلة .
نعم القضاء كمؤسسة عريقة دب إلى أوصالها بعض ما أصاب المؤسسات الأخرى ، ولا يعني هذا الهجوم على القضاء ووصفه بما لا يناسب مقامه وجلاله ، وإنما نحتاج في هذه الآونة من تاريخ مصر إلى الغيرة على مؤسسات وطننا ، والحفاظ عليها ، ولفت الانتباه إلى بعض ما نشاهده من أخطاء ، أو مشكلات ، بأسلوب النصح الجميل الذي دعاء إليه الإسلام ، وعلى كل مؤسسة من مؤسسات الدولة في هذه الآونة من تاريخ مصر ، ونحن نؤسس لبناء مصر الحديثة ، أن تصغ إلى ما يقدم لها من واجب النصح ، وأن تعمل على تلافي القصور والأخطاء التي أصاب بعض جوانبها .
وفضلا عن ذلك يجب علينا جميعا أن نعمل جادين مسرعين ، نسابق جميعا خطى الزمن ، ونطور من أنفسنا ، ومن أساليب حياتنا ، ونظم أعمالنا ، حتى نكون على المستوى المأمول في المرحلة الحالية . 
هذه المؤسسات الثلاث : الأزهر ، والجيش ، والقضاء ، عصب الدولة ، وأركانها ، وانهيارها جميعا ، أو انهيار إحداها يعني دخول الدولة في نفق مظلم ، ومسخ الهوية المصرية ، وضياع الحقوق والحريات ، فضلا عن ضياع الوطن ، وحبات رماله ، واستباحة دماء أبنائه ، وانتهاك حرماته ، وضياع مقدراته .
لذا يجب على المصريين جميعا العمل جادين على الحفاظ على هذه المؤسسات خاصة وكل المؤسسات عامة ، ففي ذلك الحفاظ على استقرار مصر ، وأمنها ، وتاريخها ، وحاضرها ومستقبلها الزاهر المشرق إن شاء الله .
حمى الله مصر ، حمى الله الأزهر