Ads

ليست بالصداع بل حقائق بغير قناع


من تطوان كتب مصطفى منيغ

هناك توقيت يتحكم فيمن يتحمل مسؤولية أخذ القرار دون التفريط المجاني في ضوابط يؤمن بها لحد المواجهة غير المحسومة العواقب ، لا يسمح ولو باستراحة قصيرة مع العقل يستشيره لتجنب حتى أبشط الشوائب ، وهنا تكمن القدرة على الاختيار من عدمها لدى مَنْ أعطاه الآخرون حق تمثيلهم واثقين أنه سالك بهم انجع الحلول وأقومها انعكاسا على مستقبلهم وهم على ما هم فيه من قلق وحيرة واندفاع أصله التضامن من أجل الغد المتوفرة فيه شروط العيش بكرامة وشرف وامتلاك حقوق كما القيام بالواجب.

 ثمة مكتب يطل على ساحة " الفدان" هكذا كانت تسمي قبل أن تتحول إلى ساحة القصر الملكي الشهير ، مقبل على الإغلاق من طرف السلطة المحلية ، وما العيون القابعة تحته، في مقهى صغير تقدم الشاي المنعنع على الطريقة التطوانية الجميلة ، إلا منتظرة تلك الإشارة بعد التقارير المرفوعة من لدنهم خاصة والتظاهرة الأخيرة تلح بإبعاد هذا الاتحاد الطلابي الخطير من مساحة تشهد ازدحاما جماهيريا لا يفتر إلا بعد صلاة العشاء حتى إن اضطر أي تدخل مخزني  لاعتقال ما هم مرشحون دائما لذلك لن يتم أي اصطدام مع المؤيدين لهم من الاتحاد الاشتراكي وكل التقدميين التي عرفت تطوان وجودهم الكثيف منذ الشهور الأولى لانعتاق المغرب من ويلات الاستعمارين الاسباني والفرنسي والدولي في منطقة طنجة ، وأيضا عشرات من الأخوة المحصورين في حجرتي مقر الشرطة الإقليمية الكائن بالقرب من بنك المغرب ، الغارقين وأهاليهم في التفكير خوفا عن مآلهم إن قدموا للمحاكمة بتلك التهم الملفقة طبعا ، كل هذا خطر ببالي محتِّما عليَّ الإجابة وبسرعة عن سؤال الأستاذ عزيمان مندوب وزارة التعليم في إقليم تطوان الممتدة نفوذه في المجال لما يُعرف الآن بأقاليم شفشاون والمضيق/الفنيدق والعرائش ، وحتى أكون في مستوى الحدث طلبت المندوب أن يتدخل لدى عامل الإقليم ليتمكن زملائي من الخروج معززين من مخفر الشرطة وأن يعمل على تحديد موعد يجمعني والسيد اليعقوبي بنعمرو لأسمع منه تعهدا أن تكف السلطات الأمنية من ملاحقة عناصر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في محيط نفوذه وأن يفتح أبواب مكتبه كأكبر سلطة في عين المكان للتعامل مع رغبات الطلبة الوجيهة والمنطقية ما يجعل لتطبيق القانون وجود  لإعادة الثقة فيما يمكن أن نسميه مستقبل هذه الشريحة العريضة من المجتمع المغربي الأصيل ، الأستاذ عزيمان لم يكن موظفا عاديا بل من الأعيان الذين لهم حظوة داخل "المخزن"، لذا أخذ السماعة وخاطب العامل بما أردته بالحرف الواحد طالبا منه استقبالي حالما أصل إلى مقر العمالة (المحافظة) انطلاقا من النيابة ، وسيتكلف شخصيا بالقرار المتخذ في شأني الطرد من داخلية "القاضي عياض" بما يخول لي العودة لدراستي حتى اجتياز شهادة الباكلوريا في سلام واطمئنان .

...ودعني الأستاذ عزيمان مشددا على كلمة لا زال رنينها يُطرب أذني حتى الساعة :

 -- أتمنى لك التوفيق وأنت على هذا العمر الطري ، لكن معك ما سيكون كفيلا بتوجيهك التوجيه الصحيح ، عقلك وصدق الصراحة القادر بها على التبليغ .

... خرجت بانطباع سجلته على الورق المقوى حتى لا يتلاشى أو يتصدع ،أن الإنسان من الواجب التفكير في نفسه جيدا  إن أراد الدفاع عن أمر دواخله غائبة عليه ،  لكن كلما ارتقى مقامه العلمي وجد من أين يبدأ للتصحيح ما يراه قابلا للتصحيح . أؤكد على ذلك  ومنظر العامل السيد اليعقوبي يأمر " الكومسير " بإطلاق سراح ما عنده من طلبة ، لم ينتظر منه استفسارا أو نصف كلمة ، بعدها اصطحبني لباب مكتبه مودعا لشخصي المتواضع قائلا :

-  ستجدني هنا كلما احتجت إلى .

 البعض ظن أن النضال يجر أصحابه للتعرف على رجال يشغلون مقامات كلما تقابلوا ازدادت الصحبة بينهم وعم الوفاق ، لكن العكس هو الحاصل ، الشرطي لن يكون صديقا لك بمفهوم الصداقة الحقيقية إطلاقا ، أوامر ينفذها متى توصل بها تخصك . تعامله معك لا يبتعد عن مفعول وريقة تُستَدعى للحضور بموجبها دون أن توضح لك الأسباب . تقضي ليلتك في التخمين فلا تزداد إلا قلقا خاصة والجنرال أفقير على رأس وزارة الداخلية.

 تعرفي على هؤلاء جعل مني أنتبه لكل خطواتي ، لكن ما كنت أخشاه حصل ، خلال الثلاث سنوات الأخيرة وصولا لقسم الباكلوريا (الثانوية العامة) لم نتلقى دروسنا إلا باللغة الاسبانية . كنا ثمانية أشخاص في قسم العلوم التجريبية ، فكيف سيُجري علينا الامتحان من لا يتقن هذه اللغة ، علما أن أساتذتنا غادروا إلى اسبانيا . هذا إن دل على شيء فإنما يدل أن الدولة المغربية آخر ما تفكر فيه التعليم اليوم كالأمس لا فرق ، ولو تزحزحت عن موقفها هذا 30 درجة فقط صوب الإصغاء الجيد لما هو مخزون في ضمائر ذوي الاختصاص وما أكثرهم عندنا لكنهم مهمشون للأسباب التي سنبينها فيما بعد ، لكان لمرفق التعليم اشراقة تساهم في إرجاع المياه لمجاريها . لكنها لا تريد للأسف الشديد وما بعض المشاريع ومنها " مليون محفظة " لمليون مَدَّ يده، سوى در الرماد في العيون ومضيعة لها أبعادها السلبية ولنا أكثر من حجة على ذلك .

                                                 (يتبع)

0 تعليقات:

إرسال تعليق