Ads

من بعد الطُوفان


بقلم : حسن عزالدين

كان الناس في مدينتنا يتهامسون فيما بينهم عبر خلايا الجدران تحت ستار الظلام الذي خيَّم على الحياة فغدت بئيسةً وكأنما تلك الأحلامُ والأماني التي في أعماق النفوس المؤمنة ما عادت تبعث فيهم طمأنينة .رغم الظواهر الشاهدة على غدوهم ورواحهم زُفرا ً وجماعات للمساجد والزوايا ورغم تلك الدعوات وتلك الاستغاثات و والقنوت بالصبح وبعد الغروب علَّ الله يستجيب لهم بزوال الكابوس الجاثم على روح البراءة إذ الأطفال كانوا قد عانوا من هجمة القتل وديمومة المرض العضال والتشرد والجوع والهُزال ما عادت العقول تستوعب كم هو تعبٌ ذلك الحنين والشفقُ المرسوم وجلا على الأمهات ولا بات الإباء يستطيعون سد دحر العوز فالنار لا تعلن شبعها كذا الحال فمتطلبات الحياة الضرورية لم تعد تلك الأجور الزهيدة تفي بما يسد رمق البطون لتقر العيون بالرضي . تنافرت عن وحدة الرؤى طُلاَّب السُلطة وكلاب ُ الأُسْطى جميعهم يتناوشون من مكان بعيد ويقذفون بالبؤساء على قارعة الطريق كالجنقو أوتاد المزارع قوتهم بعض من قدَِيدْ لحم البقر أو الحوت الذي جادت به أنهار بلادي التسعة وبعض عصيدة من دُخن أو ذرة فتريتْ تحت بيوت القصب ورواكيب سقفها سعف الجريد أو مناج من شعر وجلود . كم هي تلك صورة لا أحسب روايتها ستكون يوما أسطورة والأرض ممتدة واسعة خصبة تشكو البوار رغم هطول المطر بغزارة لم تتمكن للناس من دبارة وتظل الأرض يباب لا خُضرة ولا أكل من ما لذَّ وطاب يسيل له اللُعاب . تسيل على الأودية فتغرق مساكن الطين وتمحوها فلم تعد تبين إلا بعض مُخلفات المساكن من أسرة سبحان الله رب العالمين كم محنة عاشها الناس هنا مع تكرار السنين لذات المشهد والمُخرج لم يعد يستبصر المغزى من التكرار كالسينارست فهو أيضا تسمَّر على مكتبه يتساءل لِمَ الشخوص في هذه الرواية تعشق الجباية وتأكل خرفان السماية قبل أن يولد الطفل ويستهل صارخا الله بالله عليكم كفااااااااية . وتمرُّ الأيام على منوال الراعي يعزف من خلف مسرح البرلمان سيمفونية أيها الشعب الله مُسَّعر وهو المُسخر وإنما نحن خيرُ من أنجبته هذه الأرض وما نسوقه للسوق ثمنه غالى فما الذهب ُ إلا لمن فاز بالقرض والمالُ بأيدينا في خزائن ما بمنال إلا ليد طُولى ووالانا كما والى المولى فزكيَّناهُ ليكون من أولى القُربى . وما تبقى إلا عبد وويل للمعارض إن أراد تبديل مقعدنا بأحد فالقاضي فوضناه بإقامة الحد. هذه الرعية كالضان كالسعية أينما ولَّت مصيرها أن تعود إلى حظيرتها مجبورة بالتبعية . وفى يوم غربت شمسٌ كانت ترسلُ حرارتها تلهب بالظهيرة حفاة القدم سعيرا قابلني درويشٌ مجذوب لم تبدو عليه سمة الدراويش الذين اعتادوا على لبس الثياب المرفأة والشعور المبرومة كالضفائر بل كان يلبس جُلبابا من جوخ على رأسه برنسا حذاءه بلغة من جلد التمساح وبيده مسبحة تضوي كالمصباح يبتسم ثم يبكى بنواح اقترب مني وقال: ألا تدري كيف هلك الله قوم نوح ؟قلتُ: بلى وربي بالطوفان . قال : قلنا يا سماءُ أقلعي ويا أرض أبلعي ثم ابتسم وبكى ذلك مشهد ما بعد الطوفان ففهمت أن الساعة قد أزفت باقتلاع الظلم من الأرض ولم يعد على ظاهرها إلا الحق فتلا قوله وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وأما الزبد فيذهب جفاء

0 تعليقات:

إرسال تعليق