Ads

امرأة الجدران الأربع


عبير سليمان

  هاتفها ذات ليلة.. وكانت كزهرة بنفسج من القطيفة.. حزينة وناعمة.... وكان هو منتعشاً.. رائق البال كعصفور مكتمل الريش بهي الألوان.. صرحت عن مزاجها الأزرق.. فأبلغها أنه ربما يخرج مع أصحابه تلك الليلة.. وسيهاتفها لاحقاً.. أغلقت الهاتف ولم تنتظر مكالمته ..رن التليفون.. لكن بعد أربع منتصفات ليالي متوالية..ظهر اسمه.. سمعت صوته يبلغها أنه سيمر عليها بعد الدوام.. وفى منتصف الليلة الخامسة طرق باب شقتها.. توجه إلى شرفتها المطلة على نيل القاهرة.. وأشعل سيجارة بعد الأخرى.. هي ليست مدخنة ولكنها تشاركه دخانه عندما ينفثه في حياتها.. ينفثه في فراغ شقتها الواسعة ربما كل عشر ليالي عندما يمر عليها بعد سابقة إنذار لا تتعدى بضعة ساعات. الغريب حقاً أنه يجدها في كل مرة حتى وإن لم تكن موجودة.. حتى في شرودها تسمح له بالدخول إلى حيزها الواسع.. شديد الضيق عليها..  هل تحبه؟ هي لا تعتقد أنها مازالت مغرمة به غرام السنوات الأولى عندما كانت صغيرة جداً وكان هو يكبرها ببعض الخطوات.. حينها كانت مولعة به.. تتذكر عندما كانت تدخل بيته الصغير كطفلة عاشقة للملاهي.. تمسك ألوانه وتبعثرها على جسدها.. تضم بفرشاته خصلات شعرها القصير.. تصلح له جهاز التلفاز.. ليجلسا أمام فيلم الكرتون كطفلين رفضا الواقع واختارا سوياً حياة افتراضية ليس لها أي صلة بالواقع. بعد أن ملت عدم مسؤوليته.. افترقا.. هربت من كونها مجرد ظل لرجل الألوان.. ملت انتظارها أن تشاركه بهجة الحياة خارج جدرانه الأربع التي لها لون سن الفيل.. هي هربت.. ورفضته.. وبقيت بقايا ألوانه عالقة بين أظافرها.... بعد مرور زمني طويل.. احترفت هي الألوان.. ووجدته بينما كانت تنقض عنها غبار رماد علق بألوانها الناعمة الحزينة.. فاقتربت منه كي تنفض عنه غباره لتكتشف أنه صار باهتاً غير ذي لمعة. أقترب لأنه يعشق الاستماع إليها.. يرنو لصحبتها التي دائماً ما يدعى أنها الصُحبة المفضلة لديه.. طالما قال لها أنها واحته الخضراء.. يأتي إليها كلما أراد ظلاً.. لكنها لا تريد الأخضر وحده.. ودائماً تسأل "ماذا عن باقي الألوان؟ هي كانت تبحث فيه عمن يصطحبها للقمر.. ويعود بها إلى الأرض في سفينة قوس قزح.. أرادت  إحساس الألوان جميعها... هذه المرة هي لا تريد أن تترقى من امرأة جدرانه الأربع إلى سيدة الجدران الأربع التي يأتي إليها كلما أراد جرعة ماء دون أن يشاركها مغامراته البرية.. ولكن إلى متى كان الصبر؟ لقد أقصته من قبل لطفولته.. فهل من جديد؟! 
في حانة .. ذات ليلة.. وجدها وقد فرت من الجدران الأربع.. فهرب لأنه لم يعد يحتمل ألوانها الصاخبة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق