المستشار :صالح أحمد سيد
يلزم لتحديد خصائص التحكيم الإلكتروني التعرض لتعريفه إذ لا يختلف التحكيم الإلكتروني في جوهره عن التحكيم التقليدي فكلاهما وسيلة من وسائل البديلة لفض النزاعات والتحكيم الإلكتروني هو ذلك الاتفاق الذي بمقتضاه يتعهد الأطراف بأن يتم الفصل في المنازعات الناشئة بينهم أو المحتمل نشوؤها من خلال التحكيم ويكون اتفاق التحكيم دوليا إذا كانت المنازعات تتعلق بمصالح التجارة الدولية .
وقد عرف بانه ذلك التحكيم الذي يتفق بموجبه الأطراف على إخضاع منازعاتهم الناشئة عن صفقات أبرمت، في الغالب الأعم بوسائل إلكترونية إلى شخص ثالث يفصل فيها بموجب سلطة مستندة و مستمدة من اتفاق أطراف النزاع و باستخدام وسائل اتصال حديثة تختلف عن الوسائل التقليدية المستخدمة في التحكيم التقليدي.
ومن خلال هذا يتضح أن التحكيم الإلكتروني ذو أهمية فعالة لاعتباره وسيلة سريعة لحل المنازعات التي تثار بين الخصوم وتقترن بأحكام المحكمين وقرارتها وحرية الرأي وإن ارتكاز التحكيم على الاتفاق (العقد) في مصدره وانتهائه بقرار يشبه إلى حد كبير الحكم القضائي أدى إلى اختلاف الفقه حول طبيعته القانونية وتفصيل ذلك على النحو التالي:
الطبيعة التعاقدية للتحكيم: اختلف الفقه والقضاء حول تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم بصفة عامة فاعتبر البعض التحكيم عقداً رضائيا ملزما للجانبين من عقود المعاوضة.
وقد استند هذا الاتجاه إلى أنه طالما أن نظام التحكيم يقوم على أساس مبدأ سلطان الإرادة، فإن له طابع تعاقدي، فالأطراف باتفاقهم على التحكيم يتخلون عن بعض الضمانات القانونية والإجرائية التي يحققها النظام القضائي وذلك بهدف تحقيق مبادئ العدالة والعادات التجارية وإتباع إجراءات سريعة وأقل رسمية في إجراءات المحاكم.
هذا بالإضافة إلى أن الصفة التعاقدية يحتمها أيضا اعتبار التحكيم من أدوات المعاملات الدولية، ولاشك أن التجارة الدولية أو المعاملات الدولية تعترضها التشريعات والقضاء في مختلف الدول، ولا يمكن تحرير المبادلات الدولية إلا عن طريق العقد لما يتصف به من طابع دولي ومن ثم فلم تقم للتحكيم قائمة بدون جوهره التعاقدي، فاتفاق التحكيم هو الذي يؤدي إلى إخراج النزاع من سلطان القضاء وإسناده إلى محكم خاص، ويعين في ذات الوقت القواعد الإجرائية الواجب إتباعها والقانون الواجب تطبيقه، ولذلك فإن القرار الذي يصل إليه المحكم في النهاية هو محصلة لتطبيق الشروط التي اتفق عليها الطرفان، ولذلك يكتسب الصفة التعاقدية ويرى أنصار هذا الاتجاه أن كل مراحل التحكيم تدل بوضوح على أنه ذو طبيعة تعاقدية ويتضح ذلك جليا من خلال الأتي:
إن الغاية أو الهدف من التحكيم هو رغبة الأطراف في حل نزاعهم بطريقة ودية عن طريق إخراج النزاع من سلطات القضاء، واستنادا إلى محكم خاص وقبول الطرفين بالقرار الذي يصدره المحكم.
إن التحكيم يهدف إلى تحقيق مصلحة خاصة لأطراف عقد التحكيم وذلك عكس القضاء الذي يهدف إلى تحقيق مصلحة عامة .
إن لسلطة المحكمة في حل نزاع بين الطرفين هو اتفاق التحكيم ورضاء الخصوم بالقرار الذي يصدره المحكم وعلى ذلك فهذا الأخير يستمد سلطته من إرادة الأطراف وبالتالي لا يمكن أن تكون هذه السلطة قضائية.
إن المحكم يمكن أن يكون وطنيا أو أجنبيا عكس القاضي، الذي لابد أن يكون وطنيا بالإضافة إلى أن المحكم إذا لم يقم بواجبه فلا تنطبق عليه قواعد إنكار العدالة. وإذا أخطأ فلا يخضع لقواعد المخاصمة ولا يلزم أن تتوافر في المحكم الشروط الواجب توفرها في القاضي.
إن عمل المحكم لا يمكن اعتباره عملا قضائيا سواء من الناحية الشكلية لا يلزم المحكمون بإتباع إجراءات التي يتطلبها القانون إذا ما أعفاه الخصوم من التقيد بها، ومن الناحية المادية ليس للمحكم سلطة الأمر التي يتمتع بها القاضي، فهو لا يستطيع مثلا إلزام شاهد بالحضور أمامه وتوقيع غرامة عليه في حالة عدم حضوره ولا يستطيع إلزام الغير بتقديم مستند في يده ليكون منتجا في الدعوى.
في إطار تقييم هذا الاتجاه فى إبراز الدور الذي يؤدي لاتفاق الأطراف في مجال التحكيم، غير أنه يتجاهل مع ذلك حقيقة الوظيفة التي يؤديها المحكم، فالمحكم يقوم بالوظيفة ذاتها التي يقوم بها القاضي وهو ينتهي في هذا الشأن إلى حكم مشابه للحكم الذي يصدره القاضي، ولعل مرجع هذا التجاهل مع الانطلاق من ظاهرة هيمنة الدولة الحديثة على الوظيفة القضائية واحتكارها إقامة العدل بين الناس بواسطة قضاة موظفين يختارون من قبلها، إذ الاستسلام لواقع هذه الهيمنة وهذا الاحتكار من شأنه أن يحول دون الاعتراف لمحكم يختاره طرفا النزاع ويحددان صلاحيته بوظيفة قضائية ويؤدي من تم إلى البحث عن تفسير أخر لنظام التحكيم لا يصطدم مع الحقائق الواقعة.
وهذا ما تقدمه بالفعل فكرة العقد التي تدور في فلك أخر غير فلك القضاء وهو فلك سلطان الإرادة والقوة الملزمة للعقود لكن بالنظر لهيمنة الدولة على الوظيفة القضائية واحتكارها لإقامة العدل بين الناس من خلال السياق التاريخي للأمور، من شأنه أن يفتح الباب أمام البعض بالدور القضائي الذي يؤيده المحكم، فاحتكار الدولة للقضاء ولتنظيم السلطة القضائية ما هو إلا مرحلة من مراحل تطور الوظيفة القضائية سبقته مرحلة كان التحكيم يستقل فيها بهذه الوظيفة أو يكاد يلوح في الأفق ملامح مرحلة أخرى تتوزع فيها الوظيفة بين قضاء الدولة وبين التحكيم.
الطبيعة القضائية للتحكيم: حيث يرى أنصار هذا الاتجاه إضفاء الطابع القضائي على التحكيم، وذلك على اعتبار أن التحكيم هو قضاء إجباري ملزم للخصوم حتى ولو اتفق عليه وإن التملص منه لا يجدي وإنه يحل محل قضاء الدولة الإجباري وإن المحكم لا يعمل إرادة الخصوم وحدها مما يجعل الصفة القضائية هي التي تغلب على التحكيم كما أن حكم المحكم هو عمل قضائي شأنه شأن العمل القضائي الصادر عن السلطة القضائية في الدولة، هذا بالإضافة إلى أن كل من المحكم والقاضي يحل النزاع بحكم يحوز حجية الأمر المقضي به.
وقد ذهب البعض في سبيل إظهار أوجه الشبه بين نظام التحكيم ونظام القضاء إلى الموازنة بين دور الإرادة المشتركة للخصوم في التحكيم ودورها في القضاء، فإن كان اختيار التحكيم وسيلة لحسم النزاع يتم بعمل إرادي من طرفيه، فإن الالتجاء إلى القضاء يتم بعمل إرادي من جانب أحدهما ومتى تم هذا العمل تعلق به حق الأخر بحيث لا يجوز لدافع الدعوى التنازل عنه إلا بموافقة خصمه، وقد يتفق أطراف النزاع على رفعه إلى محكمة غير المختصة به أصلا أو إلى محاكم دولة غير الدولة التي يثبت الاختصاص لمحاكمها.
وقد يتفق أطراف الخصومة إلى التنازل عنها بعد رفعها وهذا كله دليل واضح على أن ما تؤديه إرادة الخصوم من دور في طرح النزاع على التحكيم بدلا من القضاء ليس من أثر على حقيقة الوظيفة التي يؤديها التحكيم من كونه وظيفة قضائية مثلها في ذلك مثل وظيفة قضاء الدولة.
وقد استند هذا الاتجاه في تقرير الصفة القضائية للتحكيم للمبررات الآتية:
• أن وظيفة المحكم لا تعدوا أن تكون وظيفة قضائية، وإن ما يصدر عنها من أحكام تعد أعمالا قضائية سواء كانت صادرة وفقا لقواعد القانون أو وفقا لقواعد العادلة، هذا فضلا على أن المحكم يملك تصحيح أحكامه من الأخطاء المادية التي تشوبها وإن كان ذلك مقيد بتوفر الشرطين الآتين:
الأول: ألا يكون ميعاد التحكيم قد انقضى لأنه بفوات هذا الميعاد تزول سلطته.
الثاني: ألا يكون قد تم إيداع حكم التحكيم بقلم كتاب المحكمة ولو تم هذا الإيداع قبل انقضاء ميعاد التحكيم.
• إن الإجراءات المتبعة في خصومة التحكيم ذات طبيعة قضائية، وبالتالي يكون حكم المحكم بمثابة حكم قضائي على اعتبار المحكم يحل محل القاضي فتكون له وظيفته قضائية، فأحكام المحكمين تعتبر أحكاما قضائية سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون أو الموضوع.
• إن حكم التحكيم يعتبر قد صدر من تاريخ كتابته ومن تاريخ التوقيع عليه والأمر الصادر بتنفيذه لا يتدخل في مضمون الحكم، وإنما هو مجرد إجراء شكلي الغرض منه التأكد من عدم وجود ما يمنع من تنفيذ حكم التحكيم، فالأمر الصادر من القاضي لتنفيذ حكم يتماثل مع الأمر الصادر منه لتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية.
الطبيعة المختلطة للتحكيم: يرى هذا الاتجاه أن التحكيم ليس إلا قالبا قانونيا يحتوي على عملين، الفاعل في أحدهما هو غير الفاعل في الأخر، وهما اتفاق التحكيم وقضاء المحكم، فالأول يحدثه المتنازعان والثاني يحدثه المحكم.
فاتفاق التحكيم، فهو وإن كان عقدا له كل الخصائص العامة للعقود إلا أنه يتميز عنها بهدفه وموضوعه في آن واحد، فهدفه إقامة علاقة قانونية مبتداه بين الطرفين مالية كانت أو شخصية كما هو الحال في غيره من العقود وإنما تسويه الآثار الناشئة عن علاقة سابقة قائمة بالفعل وأما موضوعه فهو ليس التراضي على تسوية نهائية محددة بذاتها للنزاع، وإنما إقامة كيان عضوي فردا كان أو هيئة ترفع إليه ادعاءات الطرفين ويتولى الفصل فيها استقلالا عنهما.
أما عمل المحكم فهو يتمثل في حسم المنازعة وهو يتولى بالضرورة هذا العمل وفقا للضوابط العامة التي يضعها النظام القانوني لحسم المنازعات، وهو يتولى بالضرورة هذا العمل وفقا للضوابط العامة التي يضعها النظام القانوني لحسم المنازعات والتي تجد مكانها في التنظيم التشريعي لقضاء الدولة بحسبانه التنظيم العام الذي يسري على كافة الهيآت ذات الصفة القضائية -وأهمها إلى جانب قضاء الدولة والهيآت واللجان ذات الطابع القضائي وجهات التحكيم.
وصفوة القول فيما يتعلق بمدى انطباق أي من النظريات الثلاث على التحكيم الإلكتروني نجد أن النظرية الثالثة ويعني بها النظرية المختلطة والتي تقرر عدم خضوع التحكيم لأي قانون وطني بدءا من اتفاق التحكيم وانتهاء بحكم التحكيم وهي أنسب وأفضل النظريات الملائمة للتحكيم الإلكتروني وذلك وفقا لطبيعة إجراءاته حيث يتم رفع الدعوى، وتوجيه الإخطارات بالمحررات اللاحقة على الدعوى عبر البريد الإلكتروني كما أن القرارات والإطلاعات والاتصالات الأخرى تتم بنفس الطريقة ويسبق هذه الإجراءات اتفاق الأطراف على قبول عولمة حلول المنازعات الخاصة بالتجارة الدولية والتحكيم التجاري الدولي دون الاكتفاء بما تقرره الاتفاقات الدولية والتشريعية المقارنة النافذة في الوقت الحالي.

0 تعليقات:
إرسال تعليق