الخميس، 21 مايو 2015

فوضي التلاعب بالدستور

الدكتور عادل عامر
إنّ عمليّة قراءة وتأويل القواعد الدستوريّة هي عمليّة فنية تقنية بالأساس تقتضي التمكّن من المهارات القانونيّة والدستوريّة الكافية للقيام بها خاصّة حينما يتعلق الأمر بالنصّ الدستوري الذي إلى جانب كونه أعلى نص قانوني في الدولة فهو بمثابة العقد السياسي والاجتماعي الذي يربط مكوّنات المجتمع السياسي. وهذا العقد هو بالخطورة بمكان بحيث يصبح تأويله تأويلا ذاتيّا أو مصلحيّا خطرا ليس فقط على الأفراد وإنما كذلك وخاصّة على ترابط وانسجام مكوّنات المجتمع السياسي ككل. فرهان تأويل قواعد الدستور هو رهان كبير وخطير خاصّة في بلادنا التي عاشت لعقود تجربة تطويع القواعد الدستوريّة خدمة لمصالح حزبيّة أو حتّى شخصيّة ضيّقة ولنا في شروط الترشح لمنصب رئاسة الجمهوريّة في النظام السابق أحسن مثال. لذلك فإنّه يكون من المجدي اليوم التصدّي للفوضى التي تميّز مجال التأويل الدستوري حتّى لا يفقد النص الدستوري أهميّته و»قداسته» إنّ ضمان حدّ أدنى من التناسق على وظيفة تأويل الدستور من شأنه أن يساهم في حماية الدستور وتجنّب التلاعب بأحكامه كما أنّه يساعدنا على منع تحوّل عمليّة التأويل إلى حرفة أو الحصول على تأويلات حسب الطلب أو على المقاس Des interprétations à la demande ou sur mesure . فكما نبّه الفقهاء سابقا إلى خطورة تطويع قواعد الدستور، فإنّه يجدر التنبيه اليوم كذلك إلى خطورة توظيف عمليّة تأويل الدستور لغير الغاية)،مرجوّة منها مثل الظهور الإعلامي أو الشهرة أو التقرّب إلى أصحاب القرار وهي كلّها علل قد تنتقل عدواها بسرعة لتصيب أهل الاختصاص. إن إلغاء الدستور لا يمس و جود الدولة رغم تغيير النظام السياسي، و لكنه قد يؤدي إلى تغيير شكل الدولة من بسيطة إلى مركبة، و هذا كاستثناء فقط ( وحدة مصر و سورية.)،  أما ما عدا ذلك فتبقى الدولة قائمة رغم تغيير النظام السياسي و هذا ما يبرز التزاماتها بالمعاهدات الدولية المبرمة في السابق ( إيران ) ، و عادة ما يسارع الحكام الجدد إلى إعلان التزامهم بذلك ( ما عدا في عهد الاتحاد السوفيتي سابقا.).
القضاء الدستوري في مصر عمره 43 عاما منذ المحكمة العليا سنة 1969 التي أنشهذا،لرئيس عبد الناصر ثم المحكمة الدستورية بعد إن نص عليها في دستور 71 في باب خاص بإنشاء الإلية الخاصة بالرقابة الدستورية التي تتولى وحدها الرقابة على دستورية القوانين وأيضا تتولى التفسير في حال اختلاف جهات الدولة في التفسير القانوني وتتولى فض التنازع بين الأحكام النهائية إذا ما أعرضت أو تناقضت وأيضا تزيل إي عقبة  في سبيل استمرار سريان إحكامها باعتبار إن عنوانها أنها أحكام قاطعة وإنها القول الفصل وملزمة لكل سلطات الدولة بالتالي هي المعنية بهذا الدور الخطير جدا، وتاريخ المحكمة الدستورية في مصر يمتد 43 عام خاضت فيها معارك ضد ثلاث أنظمة لأنه كان لها مواجهات في إطار حماية الحقوق والحريات العامة وتغييرات جذرية كانت تمر بها البلاد كان تغير سياسيا الأنظمة القائمة، واقتصاديا واجتماعيا فكان دورها دائما الحماية، هي محكمة ضمانات ومشهود لها في العالم كله مع إن التصنيف لها في كل محاكم العالم الدستورية الثالث على العالم من خلال معايير الأمم المتحدة والمفوضية الدولية واستقلال القضاء تضع مجموعة من المعايير لقياس مدى استقلال القضاء وقدرته على التأثير وحماية الدولة،المحكمة الدستورية في مصر مصنفة سادس في حماية الحريات العامة وإحداث تغييرات عميقة في المجتمع وحماية الأقليات ومقومات الدولة والعلاقة بين السلطات وبالتالي هذه المكانة الدولية تجعل القضاء مقروء على مستوى العالم، إحكامها تترجم إلى 13 لغة من خلال مفوضية الأمم المتحدة، ثم علاقتها الوثيقة بدوائر دستورية في العالم تجعل الرقابة الدائمة بين القضاء الدستوري يشعر بأهمية ما يصدره ويتبادله وعندما يحصل أي أزمة خاصة بالمحكمة الدستورية لكن كان الانتفاض الدولي حولها حماية لهذه المؤسسة وهي تعتبر السلطة القضائية الأعلى باعتبار أنها المحكمة التي تقضي في إطار القانون. منذ الاجتماع البشري المنظم و الأول في المجتمع الزراعي الأول و حتى يومنا هذا ، شغلت فكرة الحق الطبيعي ضمن المجتمع اهتمام الباحثين و الفلاسفة و المفكرين ، و تعدى أن يكون مجرد اهتمام فرسموا ما أمكنوا لصورة مجتمع قائم على الفضيلة و العدل و الخير .
و لقد أسهمت هذه الفكرة بإحلال انتقال سلس منظم لفكرة الإنسان المتمسك بحقه الطبيعي ضمن المجتمكضرورة. الأول إلى مجتمع أكثر تجددا و أكثر منتظما يحمي هذا الحق و يصونه وفق قواعد ثابتة و رؤى متشبعة بالمفهوم الطبيعي للحق ، ما يدفع العقل البشري المركون إلى أفق باهت  وفقه إلى أنماط متجددة من العقل البشري سمته العامة أكثر استقرار . و التوازن الحاصل يشير باستمرار إلى إمكانية نتاج اجتماعي أكثر تنظيما و أكثر محافظة على الحق كضرورة .
الإنسان الأول الذي صارع قوى الطبيعة  وفق حقه الطبيعي في العيش بعد مسايرة المجهول و الغامض منها ، هاجر مجتمعه المشاعي لاحتياج إلى مجتمع أكثر انتظاما ، و بعد أن أكد سيطرته إجمالا على تلك القوى واجه صراعا أكثر قساوة و أكثر ضراوة و هو الصراع مع الحكام و الملوك و الأباطرة في ظل نشوء مفهوم الدولة و السلطة و الثروة و الملكية الخاصة إلا أنه من المهم أيضا الانتباه إلى ممارسات قد تنشئ عن عملية التفويض و الاتفاق المبرم ، خرقا يعمده الحاكم أو الإداري أو النائب عن طريق تصرفات فردية خاطئة و تطبيقات تنتج بالأخذ الخاص للناحية التطبيقية ، و هذا لا ينفي تأكيد الدستور عقدا اجتماعيا ، و التحصل السلبي الحادث ما هو إلا خرق للعقد و تجاوز مشين بحق الدستور نفسه ، أو العقد الاجتماعي المصري ، و الذي انتخب بشكل نزيه أوصلته الانتخابات إلى سدة الرئاسة ، ولكن الممارسة التي فوضها لنفسه و لم يفوضه أحد بها ، كانت محاولة فئوية منه كي يرضي جهوية متوحدة مع أفكارها و أيديولوجيتها فحاول تقويض إرادة المجتمع المصري إلى تلك الجهة و تلك الفئة ، ما فعله الرئيس مرسي يعتبر خرقا و نكثا بالعهد الاجتماعي و العقد الذي أوصله كي يكون حاكما انقلب بنفسه على الدستور و يعتبر تجاوزا للتأسيس الطبيعي للعقد الاجتماعي المصري الذي يسبقه و يعلو عليه ، محاولته لسن و تمرير قوانين إلى الدستور المصري أوقعه و طرحه عند أقدام الدستور مرة أخرى . وفق السلطة المتكونة انقسم الإنسان مع أقرانه الداعون إلى انتظام  ، انقسموا إلى طبقات متناقضة من السادة و العبيد ، الأحرار في الطبقة العليا و المقيدين في الطبقات السفلى ، نَحَتْ هذه المعادلة إلى المزيد من التمييز بفعل خاصية الدين ، و بالأخص عندما افترى الحكام للعبيد أن سلطتهم مستمدة من الإرادة الإلهية .
وفي الأخير يمكن القول أن إلغاء الدساتير قد يؤدي عادة إلى سقوط المؤسسات القائمة طبقا له على النظام السياسي و نظام الحكم السائد في الدولة نفسها و لكن من المهم محاولة تجنب إلغاء أو تعديل الدساتير من أجل ضمان استقرار الأمني للبلاد عن طريق وسائل أخرى مثل الوقاية على دستورية القوانين فإلى أي مدا يمكن لهذه الوقاية أن تحمي و تحفظ سلامة و استقرار الدولة.؟

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية