Ads

الولايات المتحدة الأمريكية بين أسطورة محاربة الإرهاب الدولي و إستراتيجية السيطرة على مقاليد العالم بداية من الشرق الأوسط و بثورات مزعومة


دكتور عادل عامر

حولّت ظاهرة الإرهاب في العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد إلى أعقد ظاهرة سياسيّة و أمنيّة و اجتماعية , وقد أنتجت هذه الظاهرة سلسلة لا مثيل من الدراسات والمقالات و الانشغالات الفكريّة والبحث عن الجذور التاريخية و السياسية لهذه الظاهرة , و ما كتب عن هذه الظاهرة هو أضعاف ما كتب عن المشروع النهضوي والتنموي في واقعنا العربي والإسلامي حيث بحث ثلّة من مفكرينا في آليات النهضة و مرّت بحوثهم بدون عناية فكريّة تذكر ربمّا لأنّ الذاكرة العربية والإسلامية مصابة بخدوش خطيرة وربمّا لأننا لا نولي المشاريع الكبرى أهميّة تذكر . فإنّ انعدام الحريّة السياسيّة و الديمقراطية و الشفافيّة و مصادرة خيرات الناس وسرقة أرزاقهم وأقواتهم هي سبب العنف الأعمى الذي بات الميزة الأسمى و الأبرز لراهن عالمنا العربي والإسلامي , فالحاكم منع الناس من حرية التعبير والانتقاد وإذا وجّه أي شخص نقدا بسيطا للحاكم فإنّ مآله سجون الحاكم التي أقامها بإحكام للقضاء على رجولة من يقرّون أنّ فيهم بعض رجولة , و التداول على السلطة ممنوع , فالسلطة حكر لحكامنا لا يتزعزعون عن كرسي الحكم إلاّ بموت أو انقلاب أو دبابة أمريكيّة , و غير مصادرة الحكم وحرمان الشعب من صناعة قراره وسياسته الكبرى و الصغرى فإنّ الحاكم يلجأ إلى البطش والقمع و الظلم وسجن الأحرار . و بالانتقال إلى المتورطين في حركة العنف نجد أنّ معظمهم من المحرومين من أبسط مقومات الحياة فأغلبهم من القاطنين في البيوت القصديريّة والشعبية و الأحياء الفقيرة ,. وأكثر من ذلك فإنّ أصحاب المدرسة الثانية يرون أنّ السلطة صاحبة المدرسة الأولى وتأكيدا لخطابها السياسي وأدبياتها السياسية التي تنص على أنّ النصّ القرآني هو الذي أفرز الإرهاب أوجدت تيارات إسلامية مسلحة عنيفة وسخرتّها لخدمة مصالحها الإستراتيجية من جهة ولإدامة عمر العنف في واقعنا العربي والإسلامي ليكون العمل بقانون الطوارئ مبررا ولكي لا تطرح النخب السياسية مسألة الإسراع في الانتخابات والإصلاحات بحجّة تدهور الوضع الأمني , و قد أعلن أحد رجال المخابرات في دولة عربية أنّ رئيسه في العمل أعطاه أمرا بإطلاق اللحية و التعود على ارتداء العباءة و استخدام المسك الأظفر – وهو عطر يستخدمه المصلون عادة في المساجد – للشروع في مهمة معينة , وقد ساهمت الأجهزة الأمنية في أكثر من دولة عربية في إقامة جماعات إسلامية مسلحة لغرض سياسي وإستراتيجي قد يطول شرحه ويمكن القول أنّ رجل المخابرات في العالم العربي أطلق لحيته والإسلامي حلقها حتى أشتبه الأمر على كثير من الناس . وعلى الأرجح فإنّ السلطات القائمة في العالم العربي سوف تستمر في استخدام هذه الورقة و التي من خلالها تحققّ العديد من الأهداف المتشعبة والمتداخلة ومنها : التشكيك في مقومات الدين الإسلامي الحنيف وبالتالي تكرّس العلمنة والتغريب كبديل لا مناص منه للحكم والتغريب كما هو معروف البوابة الطبيعية نحو العمالة والارتباط بالإرادات الدولية , و الإيهام بأنّ المجتمع يعيش مخاضا أمنيا وبالتالي حالة الطوارئ تصبح مبررة ومع هذه الحالة تلغى كل مصاديق الديمقراطية من حرية الإعلام والتظاهر والتجمهر والانتخابات , وفوق هذا وذاك فإنّ إدامة الصراع في المجتمعات الإسلامية وخلق تيارات عنف إسلامية من شأنّه أن يقرّب المسافة بين كثير من حكامنا والدوائر الغربية حيث القاسم المشترك بات كبيرا بين الطرفين وهو محاربة الإسلام  , وفوق هذا وذاك فتحت عنوان محاربة الإرهاب يستباح الجميع وتقلّم أظافر الجميع و يقمع المعارضون المخلصون والصحفيون المخلصون ومريدو التغيير والإصلاح وإذا جرؤ شخص على الاعتراض يقال له : أنت إرهابي . و إذا كان المخالف للسلطة إرهابيا فماذا تكون هذه السلطة التي تقتل بالجملة والمفرق ,   وتميت بالجملة  وتبكي المستضعفين بالجملة وتفقر بالجملة  وتفرض على الناس أن يعبدوا صنما واحدا لا شريك له , أليس إرهابا عندما تعمد هذه السلطات إلى فرض فكر أحادي شمولي على الناس , سؤال برسم السلطات العربية الديمقراطية جدّا ! وفكر رامسفيلد أن يرشح نفسه ثم تراجع لنفس السبب تقريباً وفكر بعضهم في ترشيح كولن باول الذي اكتسب سمعة رجل ملتزم وصاحب تجربة نضجت في ميادين القتال في فيتنام والسياسة كمساعد لكسينجر في البيت الأبيض والإستراتيجية كرئيس لهيئة أركان الحرب المشتركة، لكن كولن باول بعد أن وافق من ناحية المبدأ عاد وتراجع عن التنفيذ بضغط وشكوك الخوف عليه، بينها تخوفه هو أن يكون ترشيحه وهو ملون مناسبة لإذكاء قضية التفرقة العنصرية بحيث يجد نفسه أمام المعضلة في التعامل مع مؤسسة بيضاء وإذا سقط فإن غضب الملونيين قد يتحول إلى فتنة ساخنة، وبينها تحسبه من عملية جمع التبرعات اللازمة لإدارة حملته الانتخابية فالتكاليف باهظة (ثلاثة بلايين دولار) وفي تقدير الإدارة الأمريكية وقتها أن الحرب ضد الإرهاب تستطيع المحافظة على تحالف عالمي واسع يستقطب الكثيرين حتى من الفقراء والمتخلفين، ثم أنه تحت مظلة الحلف المعادي للإرهاب يمكن فتح الساحة أوسع كل يوم لقرار أو فعل أمريكي يضيف إلى قدرة الإمبراطورية الجديدة دون أن يستثير حساسية الآخرين خصوصاً وأن كثيرين في مجتمع الدول يسلمون بأن الإرهاب يحتاج إلى يد طولي تقدر الوصول إليه في أي مكان في العالم، وفي أي وقت من الليل أو النهار ، وذلك متوافر لأمريكا قبل أية قوة دولية غيرها . هذه الحالة من التشويه والتي وللأسف تشارك فيها أطراف متعددة من المنطقة وخارجها ،أثرت على المواطن العربي العادي ودفعت به إلى التشكيك بتاريخه وقيمه وثقافته بحيث أصبح مستعدا لتصديق كل ما يروجه الآخرون عنه ويتشكك بكل ما يقول به المثقفون أو السياسيون العرب المخلصون لقضايا أمتهم .

هذا الانهيار التي تشهده القضية الفلسطينية في كافة أبعادها الوطنية والقومية والإسلامية والدولية الانهيار الذي لم تستطع الانتفاضة إيقافه إلا قليلا، ومحاولة فهم الأسباب والنتائج .وإن كان لنا أن نصيغ الإشكالية على شكل تساؤلات فستكون على الشكل التالي :ما هو السبب في التنازلات التي يقدمها فلسطينيون وعرب لإسرائيل ؟ وهل هذه التنازلات اعتراف بهزيمة المشروع الوطني الفلسطيني والمشروع القومي التحرري العربي الإسلامي ؟ أم هي نوع من السياسة الواقعية والتعامل مع السياسة باعتبارها فن الممكن ؟ وهل كنا خلال ما يقرب من القرن من الصراع والمواجهات مع المشروع الصهيوني الاستعماري ،بما حفل به من قوافل شهداء وآلاف الأسرى والمعتقلين والأيتام والأرامل ،على خطأ ونعيش في الوهم وعلى الوهم ؟ وهل الاتفاقات التي تُوقع والترتيبات والعلاقات التي تقام ما بين إسرائيل والحكومات العربية دلالة على أن السلام بين الطرفين أصبح واقعا أو في حكم الممكن ؟ وأين موقع انتفاضة الأقصى من كل ما يجري ؟ وما قدرتها على إحداث تحول إستراتيجي في مسار الصراع في المنطقة؟ وهل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني هي مشروع دولة المستقبل القريب أم هي إجهاض لحلم الدولة ؟ وهل انتفاضة الأقصى قادرة لوحدها على هزيمة العدو واستعادة الحقوق المسلوبة ؟تساؤلات كبيرة وكثيرة سنكون مبالغين إن قلنا إننا نملك الإجابة الصحيحة والتامة عنها ، وكل ما يمكن قوله إننا ندلي بدلونا ليس لاستجلاء الحقيقة المطلقة ووضع النقاط على الحروف – فالحروف بحد ذاتها غير واضحة – بل نكتب للرد على التشوهات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية شعبا وتاريخا ،ولإبقاء الأمل متقدا في النفوس ،وعدم جعل اهتزاز المرجعيات القديمة للقضية – قومية أو ثورية أو إسلامية أو أممية – مبررا للانتحار الذاتي وللكفر بعدالة القضية ومبررا للهروب من ساحة المواجهة الفكرية ، و العسكرية إن استطعنا إلى ذلك سبيلا


--
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

-->

0 تعليقات:

إرسال تعليق