Ads

زيارات المسؤولين للجان الامتحانية: بين واجب المتابعة وتهيئة المناخ النفسي للطلاب.

زيارات المسؤولين للجان الامتحانية: بين واجب المتابعة وتهيئة المناخ النفسي للطلاب.
كتبت: منار طبال
​مع انطلاق امتحانات الشهادات المصيرية—سواء كانت الشهادة الإعدادية، أو الثانوية العامة، أو التعليم الأزهري والفني—تتحول البيوت والمدارس إلى خلايا عمل يملؤها الترقب والقلق. وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، يتسابق السادة المسؤولون من وكلاء وزارات، ووكلاء قطاع الأزهر الشريف، والقيادات التعليمية بالمحافظات، لتفقد سير الامتحانات داخل المدارس والمعاهد. ورغم أن هذه الجولات تأتي في إطار أداء الواجب الوظيفي وضمان انضباط اللجان، إلا أن طريقة تنفيذها داخل القاعات والفصول الدراسية باتت تطرح تساؤلاً جوهرياً حول أثرها النفسي على الطلاب.
​الارتباك النفسي داخل اللجان: كلفة الزيارات المفاجئة
​إن دخول وفد من المسؤولين والمرافقين بشكل مفاجئ إلى قاعة الامتحان يُحدث، في كثير من الأحيان، حالة من التشتت والارتباك لدى الطلاب. فالطالب في هذه اللحظات يكون في أعلى درجات تركيزه الذهني، ويحتاج إلى هدوء تام لاستدعاء المعلومات.
​كسر التدفق الذهني: دخول الأشخاص وتحدثهم بصوت مسموع يقطع حبل أفكار الطالب ويجبره على الالتفات، مما يضيع من وقته وثباته الانفعالي.
​زيادة الضغط النفسي: رؤية "المسؤول الكبير" محاطاً بالكاميرات أو المرافقين يضفي هيبة ومظهراً رسمياً زائداً قد يترجمه عقل الطالب الخائف على أنه تهديد أو تشديد إضافي، مما يرفع مستويات التوتر لديه.
​النقاش في "فنيات الأسئلة": تفقدٌ لا يضيف جديداً
​من المظاهر المتكررة في هذه الجولات قيام بعض المسؤولين بمناقشة الطلاب داخل اللجنة حول مستوى الأسئلة، أو استيضاح مدى صعوبتها ووضوحها. ورغم حسن النية المتمثل في الاطمئنان على استيعاب الطلاب، إلا أن هذا السلوك يحمل أثراً عكسياً؛ فالنقاش في جزئيات المادة أثناء زمن الإجابة لن يضيف للطالب جديداً، "فما كُتب قد كُتب"، ومثل هذه الأسئلة قد تبث الشك في نفس الطالب حول صحة إجاباته، وتزيد من تشتته بدلاً من طمأنته.
​التصوير والتوثيق الإعلامي: الحاجة إلى ضوابط صارمة
​لا شك أن توثيق الانضباط والجهد المبذول في الامتحانات أمر مشروع ومطلوب لإبراز شفافية العملية التعليمية. ولكن، يجب ألا يكون ذلك على حساب مصلحة الطالب أو انتهاك خصوصية تركيزه.
​مقترح تنظيمي: إن كان هناك ضرورة ملحة لالتقاط الصور التوثيقية لزيارة المسؤول، فمن الأجدر والأولى أن يتم ذلك بعد انتهاء الوقت الأصلي للامتحان وتسليم الطلاب لأوراق الإجابة، أو الاكتفاء بتصوير محيط المدارس واللجان من الخارج دون اقتحام خلوة الطالب مع ورقته.
​نحو رؤية بديلة للمتابعة الذكية
​إن التوفيق بين واجب المتابعة الإدارية والحفاظ على سلامة الطلاب النفسية ليس أمراً مستحيلاً، بل يمكن تحقيقه عبر تبني آليات "المتابعة غير المباشرة"، ومنها:
​المتابعة المكتبية: الاكتفاء بعقد الاجتماعات واللقاءات مع رؤساء اللجان والمراقبين الأوائل في مكاتب إدارة المدرسة أو المعهد للوقوف على النواقص أو المشكلات الطارئة وحلها فوراً.
​التفقد عن بُعد: المتابعة من خارج الفصول أو عبر النوافذ بشكل عابر ودون إحداث جلبة، أو الاعتماد على غرف العمليات المركزية وتقنيات الكاميرات إن وجدت.
​توفير الدعم لا التفتيش: تحويل دور الزيارة من "التفتيش المهيب" إلى "الدعم الصامت"، بحيث يقتصر وجود أي مسؤول داخل القاعة على الحالات الطارئة جداً التي تستدعي تدخلاً قانونياً أو إدارياً حاسماً.
​خاتمة
​إن امتحانات الشهادات هي محطات تحديد مصير لأبنائنا وبناتنا، وبناء مستقبلهم يتطلب تضافر الجهود لتهيئة مناخ ملائم يضمن لهم تقديم أفضل ما لديهم. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري بمكان أن يعيد القائمون على التعليم العام والأزهري النظر في بروتوكولات الزيارات الميدانية، لتكون متابعة حكيمة، هادئة، وبعيدة كل البعد عن الاحتكاك المباشر الذي يرهق ذهن الطالب ويستنزف طاقته النفسية في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الهدوء والسكينة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق