الدكتور عادل عامر
إن المشاكل الاقتصادية في الوطن العربي قد تجتمع أو ينفرد بها بلد دون آخر، على وفق ما تفرزه البيئة السياسية من آثار وأبعاد، فيما يتعلق بانخفاض الإنتاجية وعدم كفاءتها، وهو مما يؤدي إلى انخفاض الدخل القومي، أو وجود ثروات غير مستغلة، أو سوء توزيع الدخل، وكذلك الزيادة الكبيرة في السكان وضعف التكنولوجيا الصناعية ومشكلة البطالة، وسيادة الثقافات غير الاقتصادية، وتخلف البنيان الاجتماعي كارتفاع نسبة الأمية وانخفاض مستوى التعليم وتأخر المرأة وظاهرة عمل الأطفال، وغير ذلك.
وتبرز قضية ذات خطورة وأهمية كبيرة، وهي ضعف الفلسفة أو ضعف الفكر الاقتصادي العربي الذي يمكن أن يحدد الإطار القانوني والتشريعي، ويضع أصول السياسات الاقتصادية وقواعدها، ويمنع مخاطر عدم الاستقرار السياسي، والميل إلى تغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية، وضعف العلاقات العربية، وعدم وجود تشريعات اقتصادية قومية نافذة، وغياب الديمقراطية، ووجود حالة من التخوف والتحسب في العلاقات بين الدول العربية، فضلاً عن التأثيرات الخارجية التي تمنع بعض أصحاب القرار من أن يكونوا أسياد قرارهم. كما إن عدم التشديد على تنمية القطاعات الإستراتيجية، ومجموعة الشركات والتعاون الإقليمي، وضعف استخدام أسلوب البحث العلمي الحديث من أجل التطوير بسبب إهمال التشريعات من قبل البيئة السياسية له أثره البالغ في عملية التنمية الاقتصادية، فضلاً عن أن لهذه البيئة أثرها البالغ في الأفراد والمجتمعات.
. وبكل دقة ووضوح فإن الهدف هو التنمية الاقتصادية لمصر وجذب الاستثمار وخلق فرص عمل وخلق مناخ جاذب ومشجع ودافع وعادل لقطاع الإعمال والاستثمار وتحديد علاقات واضحة وعادلة بين العامل والمالك وبين المؤسسة والدولة وتبسيط وتسهيل العلاقات وإجراءات التقاضي... وكيف تكون مصر أفضل دولة في العالم جاذبة للاستثمار ودافعة للعمل ولقطاع الأعمال وكيف تحقق أكبر معدلات تنمية، وكيف نقضي علي الفقر وكيف نوفر 7 ملايين فرصة عمل فورا؟ وكيف نعد مجتمعا لاستيعاب ثمانين مليونا إضافية في أربعين عاما (عام 2050) حين يصل عدد سكان مصر إلي 176 مليون نسمة يتم ذلك من خلال تحديد لفلسفة الإصلاح التشريعي والتي تعكس فلسفة التنمية وطبيعة المرحلة الجديدة الواعدة التي يتطلع لها كل المصريين.. . لمصر دستور جديد وطبيعة المرحلة والاحتياجات والخبرات والتجارب تشير إلي ضرورة وأهمية وضوح الرؤية فهل نريد مصر مثل الدول الأوروبية؟ أم النمور الأسيوية أم دول أمريكا اللاتينية.. . وتحديدا هل نريد مصر أكثر جذبا من الإمارات أم الصين وماليزيا أم شيلي والبرازيل أم إنجلترا والسويد؟ ؟ ما هو النموذج المقارن هل هي الدول العشر الأكثر تنافسية أم الأكثر هم جذبا للاستثمار أم كلاهما؟ وما هي القوانين والمنظومة المتكاملة التي تساهم في الانطلاقات الاقتصادية.. . يلي ذلك تحديد دقيق لطبيعة التوجه.. . فهل نحن نبني الاقتصاد الرأسمالي أم الاشتراكي أم أننا نبني الاقتصاد الحر والعدالة الاجتماعية معا.. وفي هذا الصدد علينا تحديد طبيعة وفلسفة وسياسات المرحلة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع المصري واستخلاص الفلسفة والمبادئ والسياسات التشريعية التي تفرضها وتقتضيها المرحلة الحالية للمجتمع المصري كي تسترشد بها مجموعات العمل لتقوم علي تطوير وإصلاح المنظومة التشريعية في مصر.. .
وتشمل السياسات المعبرة عن فلسفة الاقتصاد الحر والتحرر الاقتصادي والاجتماعي
أولا: ترك النشاط الاقتصادي لقوي السوق،
ثانيا: تقليص دور الدولة والتدخل الحكومي.
وثالثا: إطلاق الحرية لجميع القطاعات لممارسة النشاط الاستثماري والإنتاجي.
ورابعا: إزالة القيود والحواجز التي تمنع حرية وحركة التجارة والأسواق.
وخامسا: إزالة القيود علي حركة الأموال والسلع والخدمات من وإلي الدولة.
وسادسا: العمل علي إلغاء القيود في مجال الأجور أو وضع قيود أو شروط علي التوظيف. وسابعا: إلغاء القيود علي حركة العمل بما يضمن ارتباط أسواق العمل دون شروط أو قيود.. . هذه هي مبادئ عامة لدول دخلت السباق الاقتصادي.
فما الذي سنختاره لمصر؟ شهد العالم في السنوات الأخيرة نمواً غير مسبوق في حجم التجارة المحلية والدولية وزيادة كبيرة في حركة رؤوس الأموال بين مختلف الدول، في ظلّ سيطرة اقتصاد السوق ونمو ظاهرة العولمة وتسارع وتيرة التطوّر التكنولوجي. وقد أدى ذلك الى إحداث تغيير جذري في مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما دفع بالمشرّع الدولي والوطني إلى ابتكار أطر وآليات قانونية جديدة لمواكبة هذه التغيّرات بهدف المواءمة مع متطلّبات تحقيق النمو للإفراد والمجتمع، وتشجيع المنافسة الحرّة وجذب الاستثمارات.
وفي هذا الإطار، فقد برزت حاجة ملحة لحماية الإطراف المنخرطة في حركة التجارة المحلية والدولية من خلال التركيز على تطوير قوانين اقتصادية حمائية تكون مرتكزا لعملية تنمية شاملة، بالنظر لما تلعبه هذه القوانين من دور في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع، متقدم او نام أو أقل نمواً، لأنه لا يمكن الآن لأي دولة أن تقوم بعملية إصلاح اقتصادي شاملة، دون وضع او تعزيز أطر قانونية معينة تتواءم والحاجات الاقتصادية المحلية والدولية، وهذا بدوره ينعكس على التنمية والاستثمار واقتصاد الدولة، خاصة في ظلّ التطورات والتغيّرات الكثيرة التي يشهدها العالم اليوم.
ولعل من ابرز الإطراف التي تحتاج للحماية القانونية في ظل هذه التطورات الطرف الذي يعتبر الأضعف في هذه الحلقة وهو المستهلك، لذا كانت حماية المستهلك هاجس القانونيين حول العالم باعتبارها العنصر الرئيس الذي تقوم عليه حركة التجارة والسوق في وقتنا الحالي. من هنا تضافرت الجهود الدولية والإقليمية والوطنية لوضع الأطر الدولية والقوانين الحنائية للمستهلك باعتبار حقوقه واحدة من أهم حقوق الإنسان، فمنذ أكثر من ستين عاماً،
أقر "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" مجموعة كبيرة من الحقوق الإنسانية التي ينبغي أن يتمتع بها كل إنسان دون تمييز، ومن بينها الحقوق الاقتصادية التي يكفلها "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" وغيره من مواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية الملزمة قانوناً. ولا تكاد توجد دولة في العالم ليست طرفاً في واحدة على الأقل من المواثيق الملزمة قانوناً التي تكفل هذه الحقوق، ومن بينها الحق في الحصول على أعلى مستوى يمكن بلوغه للصحة البدنية والعقلية، بما في ذلك الحق في التمتع بظروف معيشة صحية، والحق في الحصول على خدمات صحية ملائمة ومقبولة وذات مستوى؛ علاوة على الحق في الحصول على مأوى ملائم، إضافة إلى الحق في الحصول على الغذاء، بما في ذلك الحق في الحصول في كل الأوقات على غذاء ملائم أو على سبل الحصول عليه؛ والحق في الحصول على المياه، ويعني الحق في الحصول على ما يكفي من المياه والمرافق الصحية، على أن تكون متاحة وميسرة (مادياً واقتصادياً) وآمنة. بدو أن التنمية المستدامة هي التي تصيغ اليوم الجزء الأكبر من السياسة البيئية المعاصرة، وقد كان للعمومية التي اتصف بها المفهوم دورًا في جعله شعارًا شائعًا وبراقًا مما جعل كل الحكومات تقريبًا تتبنى التنمية المستدامة كأجندة سياسية حتى لو عكست تلك الأجندات التزامات سياسية مختلفة جدًا تجاه الاستدامة، حيث تم استخدام المبدأ لدعم وجهات نظر متناقضة كليًا حيال قضايا بيئية مثل التغير المناخي والتدهور البيئي اعتمادًا على زاوية التفسير، فالاستدامة يمكن أن تعني أشياء مختلفة، بل متناقضة أحيانًا، للاقتصاديين، وأنصار البيئة، والمحامين، والفلاسفة. ولذا يبدو أن التوافق بين وجهات النظر تلك بعيد المنال.
كذلك وبالنظر إلى أن إنجاز التنمية المستدامة يتطلب أمرًا من اثنين، إما تقليص حجم طلب المجتمع على موارد الأرض و/أو زيادة حجم الموارد حتى يمكن على الأقل تجسير الفجوة بين العرض والطلب إلى حد ما، فإن هذه العملية الهادفة إلى التوحيد التدريجي للمطلوب من الموارد والمعروض منها – الجوانب المتجددة وغير المتجددة من الحياة الإنسانية – هي التي تحدد ما المقصود بعملية التنمية المستدامة. ولكن كيف يمكن الدمج بين المطالب والموارد؟ إن هذا السؤال أو على وجه التحديد الإجابات على هذا السؤال هي التي تنتج معاني وتعريفات متنوعة ومتنافسة للتنمية المستدامة، وذلك لأن مسألة كيفية دمج المطالب والموارد يمكن أن يجاب عليها بعدة وسائل مختلفة، وذلك تبعًا لاختلاف رؤى أطياف الفكر البيئي حيث هناك من جهة كتَّاب يحاولون تعديل جانب الموارد من العلاقة بينما يقف في الجهة الأخرى كتَّاب يركزون على تغيير جانب الطلب.
ولذلك فبرغم الالتزام الدولي تجاه التنمية المستدامة وبرغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى واضحة إلا أنها قد عرفت وفهمت وطبقت بطرق مختلفة جدًا، مما تسبب في درجة عالية من الغموض حول معنى المفهوم الذي يعتبر من المفاهيم الصعبة، والمراوغة، والمخادعة. ويشار في هذا السياق إلى أن (Fowke & Prasad 1996: 61-6) قد أوردا أكثر من ثمانين تعريفًا مختلفًا وفي الغالب متنافسًا وأحيانًا متناقضًا للمفهوم. وتكمن مشكلة مفهوم التنمية المستدامة في أنه يتأثر بعلاقات القوة بين الدول وداخلها، وهذه الحقيقة تتطلب مراجعة نقدية للمفهوم. فمن الواضح أن علاقات القوة هي التي تصيغ المعاني واللغة التي يستخدمها الناس.
ولكن إذا نظرنا إلى الحد الأدنى من المعايير المشتركة للتعريفات والتفسيرات المختلفة للتنمية المستدامة يمكننا أن نتعرف على أربع خصائص رئيسة (Grosskurth & Rotmans, 2005: 135-150). يشير أولها إلى أن التنمية المستدامة تمثِّل ظاهرة عبر جيلية، أي أنها عملية تحويل من جيل إلى آخر. وهذا يعني أن التنمية المستدامة لابد أن تحدث عبر فترة زمنية لا تقل عن جيلين، ومن ثم فإن الزمن الكافي للتنمية المستدامة يتراوح بين 25 إلى 50 سنة. وتتمثَّل الخاصية المشتركة الثانية في مستوى القياس. فالتنمية المستدامة هي عملية تحدث في مستويات عدة تتفاوت (عالمي، إقليمي، محلي). ومع ذلك فإن ما يعتبر مستدامًا على المستوى القومي ليس بالضرورة أن يكون كذلك على المستوى العالمي. ويعود هذا التناقض الجغرافي إلى آليات التحويل والتي من خلالها تنتقل النتائج السلبية لبلد أو منطقة معينة إلى بلدان أو مناطق أخرى. وتعد المجالات المتعددة خاصية ثالثة مشتركة حيث تتكون التنمية المستدامة من ثلاثة مجالات على الأقل: اقتصادية، وبيئية، واجتماعية ثقافية. ومع أنه يمكن تعريف التنمية المستدامة وفقًا لكل مجال من تلك المجالات منفردًا، إلا أن أهمية المفهوم تكمن تحديدًا في العلاقات المتداخلة بين تلك المجالات. فالتنمية الاجتماعية المستدامة تهدف إلى التأثير على تطور الناس والمجتمعات بطريقة تضمن من خلالها تحقيق العدالة وتحسين ظروف المعيشة والصحة. أما في التنمية البيئية المستدامة فيكون الهدف الأساس هو حماية الأنساق الطبيعية والمحافظة على الموارد الطبيعية. أما محور اهتمام التنمية الاقتصادية المستدامة فيتمثل في تطوير البنى الاقتصادية فضلاً عن الإدارة الكفؤة للموارد الطبيعية والاجتماعية.
والقضية هنا أن تلك المجالات الثلاثة للتنمية المستدامة تبدو نظريًا منسجمة لكنها ليست كذلك في الواقع الممارس. كذلك فإن المبادئ الأساسية هي الأخرى مختلفة فبينما تمثل الكفاءة المبدأ الرئيس في التنمية الاقتصادية المستدامة تعتبر العدالة محور التنمية الاجتماعية المستدامة، أما التنمية البيئية المستدامة فتؤكد على المرونة أو القدرة الاحتمالية للأرض على تجديد مواردها.
ويقع على الحكومات التزام في احترام هذه الحقوق وحمايتها، كما ينبغي على الحكومات إعطاء الأولوية للفئات الأشد ضعفاً عند تخصيص الموارد. كما ينص "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" على وجود التزامات في مجال حقوق الإنسان تقع على عاتق "جميع أفراد المجتمع وهيئاته". ومن ضمن ذلك الشركات التي لها دور يتضاعف على المستوى العالمي في إعمال حقوق الإنسان أو إهدارها. من هنا فإن الحق في " العيش الكريم" يتعلق أساسا بمقومات الحياة اليومية بالتكامل مع الحق في الحصول على السلع والخدمات، ومن يحصل على هذه السلع والخدمات هو بحد ذاته المستهلك، والمستهلك - في هذا الإطار- كإنسان يتمتع بحقوق من الواجب حمايتها.
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية
إن المشاكل الاقتصادية في الوطن العربي قد تجتمع أو ينفرد بها بلد دون آخر، على وفق ما تفرزه البيئة السياسية من آثار وأبعاد، فيما يتعلق بانخفاض الإنتاجية وعدم كفاءتها، وهو مما يؤدي إلى انخفاض الدخل القومي، أو وجود ثروات غير مستغلة، أو سوء توزيع الدخل، وكذلك الزيادة الكبيرة في السكان وضعف التكنولوجيا الصناعية ومشكلة البطالة، وسيادة الثقافات غير الاقتصادية، وتخلف البنيان الاجتماعي كارتفاع نسبة الأمية وانخفاض مستوى التعليم وتأخر المرأة وظاهرة عمل الأطفال، وغير ذلك.
وتبرز قضية ذات خطورة وأهمية كبيرة، وهي ضعف الفلسفة أو ضعف الفكر الاقتصادي العربي الذي يمكن أن يحدد الإطار القانوني والتشريعي، ويضع أصول السياسات الاقتصادية وقواعدها، ويمنع مخاطر عدم الاستقرار السياسي، والميل إلى تغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية، وضعف العلاقات العربية، وعدم وجود تشريعات اقتصادية قومية نافذة، وغياب الديمقراطية، ووجود حالة من التخوف والتحسب في العلاقات بين الدول العربية، فضلاً عن التأثيرات الخارجية التي تمنع بعض أصحاب القرار من أن يكونوا أسياد قرارهم. كما إن عدم التشديد على تنمية القطاعات الإستراتيجية، ومجموعة الشركات والتعاون الإقليمي، وضعف استخدام أسلوب البحث العلمي الحديث من أجل التطوير بسبب إهمال التشريعات من قبل البيئة السياسية له أثره البالغ في عملية التنمية الاقتصادية، فضلاً عن أن لهذه البيئة أثرها البالغ في الأفراد والمجتمعات.
. وبكل دقة ووضوح فإن الهدف هو التنمية الاقتصادية لمصر وجذب الاستثمار وخلق فرص عمل وخلق مناخ جاذب ومشجع ودافع وعادل لقطاع الإعمال والاستثمار وتحديد علاقات واضحة وعادلة بين العامل والمالك وبين المؤسسة والدولة وتبسيط وتسهيل العلاقات وإجراءات التقاضي... وكيف تكون مصر أفضل دولة في العالم جاذبة للاستثمار ودافعة للعمل ولقطاع الأعمال وكيف تحقق أكبر معدلات تنمية، وكيف نقضي علي الفقر وكيف نوفر 7 ملايين فرصة عمل فورا؟ وكيف نعد مجتمعا لاستيعاب ثمانين مليونا إضافية في أربعين عاما (عام 2050) حين يصل عدد سكان مصر إلي 176 مليون نسمة يتم ذلك من خلال تحديد لفلسفة الإصلاح التشريعي والتي تعكس فلسفة التنمية وطبيعة المرحلة الجديدة الواعدة التي يتطلع لها كل المصريين.. . لمصر دستور جديد وطبيعة المرحلة والاحتياجات والخبرات والتجارب تشير إلي ضرورة وأهمية وضوح الرؤية فهل نريد مصر مثل الدول الأوروبية؟ أم النمور الأسيوية أم دول أمريكا اللاتينية.. . وتحديدا هل نريد مصر أكثر جذبا من الإمارات أم الصين وماليزيا أم شيلي والبرازيل أم إنجلترا والسويد؟ ؟ ما هو النموذج المقارن هل هي الدول العشر الأكثر تنافسية أم الأكثر هم جذبا للاستثمار أم كلاهما؟ وما هي القوانين والمنظومة المتكاملة التي تساهم في الانطلاقات الاقتصادية.. . يلي ذلك تحديد دقيق لطبيعة التوجه.. . فهل نحن نبني الاقتصاد الرأسمالي أم الاشتراكي أم أننا نبني الاقتصاد الحر والعدالة الاجتماعية معا.. وفي هذا الصدد علينا تحديد طبيعة وفلسفة وسياسات المرحلة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع المصري واستخلاص الفلسفة والمبادئ والسياسات التشريعية التي تفرضها وتقتضيها المرحلة الحالية للمجتمع المصري كي تسترشد بها مجموعات العمل لتقوم علي تطوير وإصلاح المنظومة التشريعية في مصر.. .
وتشمل السياسات المعبرة عن فلسفة الاقتصاد الحر والتحرر الاقتصادي والاجتماعي
أولا: ترك النشاط الاقتصادي لقوي السوق،
ثانيا: تقليص دور الدولة والتدخل الحكومي.
وثالثا: إطلاق الحرية لجميع القطاعات لممارسة النشاط الاستثماري والإنتاجي.
ورابعا: إزالة القيود والحواجز التي تمنع حرية وحركة التجارة والأسواق.
وخامسا: إزالة القيود علي حركة الأموال والسلع والخدمات من وإلي الدولة.
وسادسا: العمل علي إلغاء القيود في مجال الأجور أو وضع قيود أو شروط علي التوظيف. وسابعا: إلغاء القيود علي حركة العمل بما يضمن ارتباط أسواق العمل دون شروط أو قيود.. . هذه هي مبادئ عامة لدول دخلت السباق الاقتصادي.
فما الذي سنختاره لمصر؟ شهد العالم في السنوات الأخيرة نمواً غير مسبوق في حجم التجارة المحلية والدولية وزيادة كبيرة في حركة رؤوس الأموال بين مختلف الدول، في ظلّ سيطرة اقتصاد السوق ونمو ظاهرة العولمة وتسارع وتيرة التطوّر التكنولوجي. وقد أدى ذلك الى إحداث تغيير جذري في مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما دفع بالمشرّع الدولي والوطني إلى ابتكار أطر وآليات قانونية جديدة لمواكبة هذه التغيّرات بهدف المواءمة مع متطلّبات تحقيق النمو للإفراد والمجتمع، وتشجيع المنافسة الحرّة وجذب الاستثمارات.
وفي هذا الإطار، فقد برزت حاجة ملحة لحماية الإطراف المنخرطة في حركة التجارة المحلية والدولية من خلال التركيز على تطوير قوانين اقتصادية حمائية تكون مرتكزا لعملية تنمية شاملة، بالنظر لما تلعبه هذه القوانين من دور في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع، متقدم او نام أو أقل نمواً، لأنه لا يمكن الآن لأي دولة أن تقوم بعملية إصلاح اقتصادي شاملة، دون وضع او تعزيز أطر قانونية معينة تتواءم والحاجات الاقتصادية المحلية والدولية، وهذا بدوره ينعكس على التنمية والاستثمار واقتصاد الدولة، خاصة في ظلّ التطورات والتغيّرات الكثيرة التي يشهدها العالم اليوم.
ولعل من ابرز الإطراف التي تحتاج للحماية القانونية في ظل هذه التطورات الطرف الذي يعتبر الأضعف في هذه الحلقة وهو المستهلك، لذا كانت حماية المستهلك هاجس القانونيين حول العالم باعتبارها العنصر الرئيس الذي تقوم عليه حركة التجارة والسوق في وقتنا الحالي. من هنا تضافرت الجهود الدولية والإقليمية والوطنية لوضع الأطر الدولية والقوانين الحنائية للمستهلك باعتبار حقوقه واحدة من أهم حقوق الإنسان، فمنذ أكثر من ستين عاماً،
أقر "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" مجموعة كبيرة من الحقوق الإنسانية التي ينبغي أن يتمتع بها كل إنسان دون تمييز، ومن بينها الحقوق الاقتصادية التي يكفلها "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" وغيره من مواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية الملزمة قانوناً. ولا تكاد توجد دولة في العالم ليست طرفاً في واحدة على الأقل من المواثيق الملزمة قانوناً التي تكفل هذه الحقوق، ومن بينها الحق في الحصول على أعلى مستوى يمكن بلوغه للصحة البدنية والعقلية، بما في ذلك الحق في التمتع بظروف معيشة صحية، والحق في الحصول على خدمات صحية ملائمة ومقبولة وذات مستوى؛ علاوة على الحق في الحصول على مأوى ملائم، إضافة إلى الحق في الحصول على الغذاء، بما في ذلك الحق في الحصول في كل الأوقات على غذاء ملائم أو على سبل الحصول عليه؛ والحق في الحصول على المياه، ويعني الحق في الحصول على ما يكفي من المياه والمرافق الصحية، على أن تكون متاحة وميسرة (مادياً واقتصادياً) وآمنة. بدو أن التنمية المستدامة هي التي تصيغ اليوم الجزء الأكبر من السياسة البيئية المعاصرة، وقد كان للعمومية التي اتصف بها المفهوم دورًا في جعله شعارًا شائعًا وبراقًا مما جعل كل الحكومات تقريبًا تتبنى التنمية المستدامة كأجندة سياسية حتى لو عكست تلك الأجندات التزامات سياسية مختلفة جدًا تجاه الاستدامة، حيث تم استخدام المبدأ لدعم وجهات نظر متناقضة كليًا حيال قضايا بيئية مثل التغير المناخي والتدهور البيئي اعتمادًا على زاوية التفسير، فالاستدامة يمكن أن تعني أشياء مختلفة، بل متناقضة أحيانًا، للاقتصاديين، وأنصار البيئة، والمحامين، والفلاسفة. ولذا يبدو أن التوافق بين وجهات النظر تلك بعيد المنال.
كذلك وبالنظر إلى أن إنجاز التنمية المستدامة يتطلب أمرًا من اثنين، إما تقليص حجم طلب المجتمع على موارد الأرض و/أو زيادة حجم الموارد حتى يمكن على الأقل تجسير الفجوة بين العرض والطلب إلى حد ما، فإن هذه العملية الهادفة إلى التوحيد التدريجي للمطلوب من الموارد والمعروض منها – الجوانب المتجددة وغير المتجددة من الحياة الإنسانية – هي التي تحدد ما المقصود بعملية التنمية المستدامة. ولكن كيف يمكن الدمج بين المطالب والموارد؟ إن هذا السؤال أو على وجه التحديد الإجابات على هذا السؤال هي التي تنتج معاني وتعريفات متنوعة ومتنافسة للتنمية المستدامة، وذلك لأن مسألة كيفية دمج المطالب والموارد يمكن أن يجاب عليها بعدة وسائل مختلفة، وذلك تبعًا لاختلاف رؤى أطياف الفكر البيئي حيث هناك من جهة كتَّاب يحاولون تعديل جانب الموارد من العلاقة بينما يقف في الجهة الأخرى كتَّاب يركزون على تغيير جانب الطلب.
ولذلك فبرغم الالتزام الدولي تجاه التنمية المستدامة وبرغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى واضحة إلا أنها قد عرفت وفهمت وطبقت بطرق مختلفة جدًا، مما تسبب في درجة عالية من الغموض حول معنى المفهوم الذي يعتبر من المفاهيم الصعبة، والمراوغة، والمخادعة. ويشار في هذا السياق إلى أن (Fowke & Prasad 1996: 61-6) قد أوردا أكثر من ثمانين تعريفًا مختلفًا وفي الغالب متنافسًا وأحيانًا متناقضًا للمفهوم. وتكمن مشكلة مفهوم التنمية المستدامة في أنه يتأثر بعلاقات القوة بين الدول وداخلها، وهذه الحقيقة تتطلب مراجعة نقدية للمفهوم. فمن الواضح أن علاقات القوة هي التي تصيغ المعاني واللغة التي يستخدمها الناس.
ولكن إذا نظرنا إلى الحد الأدنى من المعايير المشتركة للتعريفات والتفسيرات المختلفة للتنمية المستدامة يمكننا أن نتعرف على أربع خصائص رئيسة (Grosskurth & Rotmans, 2005: 135-150). يشير أولها إلى أن التنمية المستدامة تمثِّل ظاهرة عبر جيلية، أي أنها عملية تحويل من جيل إلى آخر. وهذا يعني أن التنمية المستدامة لابد أن تحدث عبر فترة زمنية لا تقل عن جيلين، ومن ثم فإن الزمن الكافي للتنمية المستدامة يتراوح بين 25 إلى 50 سنة. وتتمثَّل الخاصية المشتركة الثانية في مستوى القياس. فالتنمية المستدامة هي عملية تحدث في مستويات عدة تتفاوت (عالمي، إقليمي، محلي). ومع ذلك فإن ما يعتبر مستدامًا على المستوى القومي ليس بالضرورة أن يكون كذلك على المستوى العالمي. ويعود هذا التناقض الجغرافي إلى آليات التحويل والتي من خلالها تنتقل النتائج السلبية لبلد أو منطقة معينة إلى بلدان أو مناطق أخرى. وتعد المجالات المتعددة خاصية ثالثة مشتركة حيث تتكون التنمية المستدامة من ثلاثة مجالات على الأقل: اقتصادية، وبيئية، واجتماعية ثقافية. ومع أنه يمكن تعريف التنمية المستدامة وفقًا لكل مجال من تلك المجالات منفردًا، إلا أن أهمية المفهوم تكمن تحديدًا في العلاقات المتداخلة بين تلك المجالات. فالتنمية الاجتماعية المستدامة تهدف إلى التأثير على تطور الناس والمجتمعات بطريقة تضمن من خلالها تحقيق العدالة وتحسين ظروف المعيشة والصحة. أما في التنمية البيئية المستدامة فيكون الهدف الأساس هو حماية الأنساق الطبيعية والمحافظة على الموارد الطبيعية. أما محور اهتمام التنمية الاقتصادية المستدامة فيتمثل في تطوير البنى الاقتصادية فضلاً عن الإدارة الكفؤة للموارد الطبيعية والاجتماعية.
والقضية هنا أن تلك المجالات الثلاثة للتنمية المستدامة تبدو نظريًا منسجمة لكنها ليست كذلك في الواقع الممارس. كذلك فإن المبادئ الأساسية هي الأخرى مختلفة فبينما تمثل الكفاءة المبدأ الرئيس في التنمية الاقتصادية المستدامة تعتبر العدالة محور التنمية الاجتماعية المستدامة، أما التنمية البيئية المستدامة فتؤكد على المرونة أو القدرة الاحتمالية للأرض على تجديد مواردها.
ويقع على الحكومات التزام في احترام هذه الحقوق وحمايتها، كما ينبغي على الحكومات إعطاء الأولوية للفئات الأشد ضعفاً عند تخصيص الموارد. كما ينص "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" على وجود التزامات في مجال حقوق الإنسان تقع على عاتق "جميع أفراد المجتمع وهيئاته". ومن ضمن ذلك الشركات التي لها دور يتضاعف على المستوى العالمي في إعمال حقوق الإنسان أو إهدارها. من هنا فإن الحق في " العيش الكريم" يتعلق أساسا بمقومات الحياة اليومية بالتكامل مع الحق في الحصول على السلع والخدمات، ومن يحصل على هذه السلع والخدمات هو بحد ذاته المستهلك، والمستهلك - في هذا الإطار- كإنسان يتمتع بحقوق من الواجب حمايتها.
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية
0 تعليقات:
إرسال تعليق