Ads

المثل الشهير ( أنا عبد المأمور ) مورده ومضربه وحكمه الشرعي

بقلم : د. عبد الحليم منصور 
أستاذ الفقه المقارن ووكيل كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالدقهلية .
جرى ألسنة العامة قولهم : ( أنا عبد المأمور ) ويضرب هذا المثل للحال التي يعجر فيها الشخص عن التقاعس عن تنفيذ الأمر الموكل إليه صوابا كان أو خطأ .
ومورد هذا المثل وأصله لفظة أنا عبد مأمور .
وفي تحرير مورد المثل روايات وأقوال :
1 – منها : ما ورد بشأن قوله تعالى " يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى " وذلك أن الله عز وجل وعظ المؤمنين ألا يؤذوا محمداً فيقولون زيد بن محمد ، فإن ذلك للنبي  أذى كما آذت بنو إسرائيل موسى وزعموا أنه آدر . وذلك أن موسى ، عليه السلام ، كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل في نهر ، ولا غيره إلا عليه إزار ، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، فقالوا : ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آذر ، فانطلق موسى ، عليه السلام ، ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام ، واستتر بصخرة ، ووضع ثيابه عليها ففرت الصخرة بثيابه ، وأتبعها موسى ، عليه السلام ، متجرداً ، فلحقها فضربها بعصاه ، وكان موسى ، عليه السلام ، لا يضع العصا من يده حيث ما كان ، وقال لها : ارجعي إلى مكانك ، فقالت : إنما أنا عبد مأمورٍ لم تضربني فردها إلى مكانها فنظرت إليه بنو إسرائيل ، فإذا هو من أحسن الناس خلقاً وأعدلهم صورة ، وكان سليماً ليس الذي قالوا ، فذلك قوله عز وجل : " فبرأه الله مما قالوا " إنه آدر " وكان عند الله وجيهاً " يعني مكيناً . تفسير مقاتل 3 /56 
2 – ومنها ما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال أنزل الله عز وجل على رسوله  فرض القبلة بمكة فكان يصلي في ناحية يستقبل منها البيت الحرام وبيت المقدس فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس موليا عن البيت الحرام ستة عشر شهرا وهو يحب لو قضى الله إليه باستقبال البيت الحرام لأن فيه مقام أبيه إبراهيم وإسماعيل وهو المثابة للناس والأمن وإليه الحج وهو المأمور به أن يطهر للطائفين والعاكفين والركع السجود مع كراهية رسول الله  لما وافق اليهود فقال لجبريل عليه السلام لوددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فانزل الله عز وجل " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " يعني والله أعلم فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه فقال جبريل عليه السلام للنبي  : يا محمد أنا عبد مأمور .أحكام القرآن للشافعي 1 /64 
3 – ومنها : عن مَيْمُونٍ أبي عبد اللَّهِ عَنِ بن عَبَّاسٍ قال لَمَّا أُخْرِجَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَتُرِكَ عَلِيٌّ قال الناس في ذلك فَبَلَغَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال ما أنا أَخَرَجْتُكُمْ من قِبَلِ نَفْسِي وَلا أنا تَرَكْتُهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَكُمْ وَتَرَكَهُ إنما أنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ ما أُمِرْتُ بِهِ فَعَلْتُ إن أَتَّبِعُ إِلا ما يُوحَى إلي . المعجم الكبير 12 /147 مجمع الزوائد 9 /115 
4 – ومنها : ما ورد أنّ إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال دوحها فأحبّ اللّحوق بالجبال ، فخرج وعاد إلى مكانه ، فجزعت أُمّ يونس لفراقه ( وأوحشها ) فقده ثم لم تلبث إلاّ يسيراً حتى مات ابنها حين فطمته ، فعظمت مصيبتها فيه ، فخرجت في طلب إلياس فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه ووجدته فقالت له : إني قد فجعت بعدك بموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي وليس لي ولد غيره فارحمني وادع ربك جل جلاله ليُحيي لي ابني ويجبر مصيبتي ، وإني قد تركته مسجّى لم أدفنه ، وقد أخفيت مكانه . فقال لها إلياس : ( ليس هذا مما أُمرت به ، وإنما أنا عبدٌ مأمور أعمل بما يأمرني ربي ، ولم يأمرني بهذا ) تفسير الثعلبي 8 /164 وما بعدها .
5 – ومنها : ما ورد بشأن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه إنهم إذا قرأ عليهم الرسول  كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له ائت بقرآن غير هذا أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه  ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) تفسير ابن كثير 2 /411 
وحيث عرفنا أن أصل المثل أنا عبد مأمور ، فيما يجري  على ألسنة العامة من قولهم أن عبد المأمور هي صيغة محرفة عن الأصل الذي أخذت منه كما مر .
الحكم الفقهي لهذا المثل :
أما عن استخدام اللفظة على هذا النحو أنا عبد المأمور بنية أنا عبد مأمور فيمكن أن نقول الآتي :
1 – إن كان مراد الشخص أنه عبد لله عز وجل وأنه ينفذ أمر الله في طاعة ولي أمره ورئيسه فيما يأمره وينهاه به فيما لا يخالف شرعه ومنهاجه فهذا أمر جائز شرعا ولا يتوجه إليه أي مخالفة .
2 – وإن كان مراد الشخص أنه عبد مأمور لمن يأمره وينهاه فهذا حرام شرعا فالعبودية لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى .
3 – كما أن تنفيذ الأمر للرئيس أو ولي الأمر إنما يكون في طاعة الله عز وجل لقول النبي عليه الصلاة والسلام :" إنما الطاعة في معروف " فإن كانت في معصية الله فلا تجوز الطاعة ههنا لا شرعا ولا قانونا ولا عرفا ولا ذوقا ، كما لو أمر رئيس مصلحة من المصالح بعض مرءوسيه بأخذ رشوة له ، أو طلب منهم شهادة زور مثلا ، وما شابه ذلك من تصرفات فكل ذلك لا يجوز ، وعليه الامتناع عن تنفيذ هذا الأمر ولا يقول أنا عبد المأمور لقول النبي عليه الصلاة والسلام :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . 
والله أعلم .

0 تعليقات:

إرسال تعليق