Ads

الوجه الآخر: مربع الحقائق في إشكالية الدعم

بقلم: دكتور/ حنان راشد
الحقيقة الأولى التي يجب أن نعترف بها ونواجهها بشجاعة هي أن رفع الدعم "جزئيا" عن الكهرباء والغاز والطاقة والمحروقات هو مكون رئيسي بحزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية الجريئة الضرورية للعلاج الجذري للخلل القاتل المتراكم بميزان المدفوعات، الذي تعاني منه الميزانية العامة منذ عدة عشرات من السنين، والذي لم تتعامل معه حكومات ما قبل وما بعد 25 يناير سوى بالمسكنات، والذي تفاقمت آثاره ومضاعفاته خلال الثلاث سنوات الأخيرة بسبب التوقف شبه الكامل لعائدات السياحة والاستثمار، والذي يهدد بالوصول إلى مرحلة الإفلاس حال الإصرار على التعامل مع المشكلة بنفس المنهج وبذات السياسات.

والحقيقة الثانية في هذا المشكل المعضل هي أن هذه الإجراءات كانت مؤجلة طوال فترتي حكم مبارك ومرسي، حيث لم يجرؤ أحدهما على مواجهة المشكلة بالجدية الواجبة ولم يتحل أحدهما بالشجاعة الكافية لمواجهة ردود الأفعال الشعبية المتوقعة بعد أن عاينا غضبة الشعب في أحداث 18 و19 يناير 1977 عندما حاول الراحل السادات رفع الدعم جزئيا عن رغيف الخبز وأنبوبة البوتاجاز، ثم رأيا تراجعه عن هذا القرار. وأتصور أن الفترة الحالية، وفي وجود الرئيس السيسي الذي يتمتع بدعم ومساندة وثقة غالبية الشعب، هي المرحلة الأنسب لاتخاذ هذه الإجراءات الإصلاحية الصعبة، لكن الضرورية لإنعاش الاقتصاد المصري ولإنقاذه من السقوط في هاوية الإفلاس.

أما الحقيقة الثالثة فهي أنه من المؤكد أن يكون لهذه الإجراءات آثار سلبية "مؤقتة" على حياة جميع المصريين، ومن المؤكد أن لهذه الإجراءات فاتورة اجتماعية يجب الحرص على أن تتحمل القسم الأكبر من تكلفتها الباهظة شرائح الأثرياء والأغنياء، وواجب الحكومة أن توفر أقصى قدر من الحماية للفقراء ومحدودي الدخل حتى لا تتعرض حياتهم إلى المزيد من صور المعاناة والحرمان والتدهور في مستوى جودة الحياة.

أما الحقيقة الرابعة فهي أن وعي الشعب ومساندته وتفهمه لطبيعة وحجم المشكلة وللبدائل المتاحة ولأسباب ومبررات هذه الإجراءات هو الضلع الرابع الأهم في تمرير هذه الإجراءات التي هي كالدواء المر، مؤلم لكن ضروري للشفاء، بأقل قدر من الخسائر، خاصة على المعدمين والفقراء والبسطاء. وأتوقع أن يظهر الشعب المصري العظيم معدنه الأصيل النبيل في هذه الفترة العصيبة كما فعل بشجاعة غير ذي مرة في فترات التحدي والأزمات، شريطة أن تتمسك الحكومة بالشفافية والمكاشفة، وشريطة أن تستمر في حربها المعلنة على كافة صور الفساد، وشريطة أن تشرع وبسرعة في تحقيق العدل الاجتماعي، وشريطة أن تتسارع عجلة التنمية وتحسين المرافق والخدمات، حتى يشعر الشعب أن لمعاناته ولتضحياته مردودا إيجابيا على تحسين جودة حياته وعلى تيسير شئونه اليومية، وهو ما سيعينه على إظهار المزيد من صور الفهم والتفهم والتعاون والصبر.

ومن الواضح أننا قد شرعنا بالفعل في تنفيذ مهمة "إنقاذ الوطن"، وعلينا حكاما ومحكومين أن نرتفع بوعينا وعملنا وإخلاصنا إلى مستوى هذه المهمة الأجل التي تتطلب شجاعة الرجال وبسالة المقاتلين، ومن هنا يبدأ الفرز.

وبالله التوفيق، وعلى الله القصد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

0 تعليقات:

إرسال تعليق