Ads

حـســـن زايـــــد .. يـكـتــب : قــراءة مـقـلوبــة لأولــويــات المـرحــلة

مشكلة النخبة من المثقفين المصريين ، إنفصالهم عن الجماهير، باعتبارهم الصفوة المنتقاة من العوام ، وبُعدَهم عن الشارع ، بحكم انشغالهم الدائم بالتثقف من أجل الجماهير وخدمة لهم . وهذا الإنفصال ، وذاك البُعْد ، يُفقِد المرء الإحساس بنبض الجماهير وهو بينهم ، وفي وسطهم ، ويهتف معهم بما يهتفون ، إنما هي العزلة الشعورية التي تجعل المرء يفتقر إلي حسن إدراك التوجه الجماهيري الغالب ، والموجة الشعورية الغالبة ، فتكون النتيجة الحتمية لوجود هذا الجدار العازل ، القراءة المقلوبة للمشهد بتفاصيله الدقيقة ، من جانب المثقف ، فيجد نفسه في جانب ، والجماهير في الجانب الآخر ، بل إنه قد يجد نفسه في الإتجاه المعاكس في ذات الجانب ، وبدلاً من قيادة الرأي العام ، والتأثير في توجهاته العامة ، بما يخلق ضغطاً علي صانع القرار، أو دعماً له ، يجد نفسه في حالة تناقض وتصادم مع احتياجات الشارع وتطلعاته . بل وفي حالة خصومة وتعاند ، قد تصل إلي الترفع والتعالي ، والتبرم الدائم من  جانبه ، لوجود قراءة مختلفة للمشهد من جانب الجماهير تختلف عن قراءته . وإشباعاً لحالة الغرور والتعالي ، لابد وأن تكون القراءة المختلفة هي القراءة الخاطئة ، وهي خاطئة لتفشي حالة الجهل والتخلف لدي أصحابها ، وهي خاطئة لسهولة التأثير عليهم لقابليتهم للإستهواء ، وهي خاطئة لوقوعهم تحت تأثير قصف إعلامي مركز يغسل أدمغتهم ، وهي خاطئة لتعرضهم للإبتزاز بسبب عوزهم . صاحب القراءة الخاطئة ـ باعتبارها مختلفة مع قراءة المثقف النخبوي ـ هو ضحية لعوامل كثيرة ـ من وجهة نظر المثقف ـ لذا كان لزاماً علي المثقف ـ من باب البحث عن دور ـ أن يدافع عن قضية صاحب القراءة المختلفة . والواقع أن قراءة المثقف النخبوي نتيجة لبناءه الجدار العازل بينه وبين مجتمعه هي القراءة الخاطئة ، لأن قراءته مقلوبة لأولويات المرحلة التي يعيش فيها مجتمعه . والقياس العقلي المنطقي الذي لا يختلف عليه إثنان ، يقضي بأن درء المفسدة مقدم علي جلب المنفعة ، كما لو أن أحدهم قد قذفك بحجر وتفاحة في آن واحد ، فليس من المنطقي أن تلتفت إلي التفاحة لتلتقطها ، وتدع الحجر يبطح رأسك ، وإنما المنطقي أن تتفادي الحجر ، ثم تلتقط التفاحة فيما بعد . أما أن تصر علي التقاط التفاحة أولاً فتلك هي القراءة المقلوبة للمشهد . وعندنا في مصر بعض المثقفين النخبويين الذين يصرون علي تلك القراءة المقلوبة للمشهد ، بإصرارهم علي وضع العربة أمام الحصان ، وهم يدركون أن مهمة الحصان جر العربة وليس دفعها ، فمن المنطقي وضعها خلفه وليس أمامه . والأوضاع في مصر قبل ثورة يونيه 2013 م في ظل نظام الحكم الإخواني كانت تسير في أحد إتجاهين : إما إختطاف الدولة وفقاً لمشروع الجماعة . أو نشوب حرب أهلية بين ميليشيات الجماعة والمجتمع ، أي أن الشعب كان بين خيار الموت أو الموت . وفي ظل هذا الوضع تجد من يقول لك بأنه لم يكن يتعين علي الجيش أن يتدخل منحازاً إلي طرف علي حساب الآخر، وإلا عُدَّ تدخله انقلاباً ، مع أن تدخله في هذه المرحلة كان انقاذاً في ظل حالة الصمم والإستغشاء التي أصابت النظام الحاكم في حينه . ولا يقول لي مثقف من هؤلاء أن الحشود الهادرة التي نزلت في مواجهة هذا النظام كانت جماهير " فوتوشوب " ، أو أن هذه الحشود لم تكن في حاجة إلي تدخل قواتها المسلحة لإنفاذ إرادتها وحمايتها . صحيح أن المسطور في بطون الكتب يقرأ مشهد تدخل الجيش في الحياة السياسية انقلاباً ، ولكنها في الحالة المصرية قراءة مقلوبة . كما أن قراءة اعتصام رابعة باعتباره اعتصاماً سلمياً يمثل حقاً مكفولاً من حقوق الإنسان لم يكن يتعين فضه ، وإن جاز فليس بهذه الطريقة ، هي أيضاً قراءة مقلوبة ، لأن الإعتصام استمر لفترة غير مسبوقة تاريخياً ، وكان مسلحاً ، وكان يمثل بؤرة صديدية تستهدف خلق شرعية موازية لشرعية الدولة ، وخروجاً عليها ، بقصد إتاحة الفرصة لتدخل قوي معينة لفض النزاع بين شرعيتين . وكونه كان مسلحاً ينزع عنه أي مسحة تحول بين الدولة وحقها في استخدام القوة المسلحة لفضه . وليس متصوراً شرعنة الخروج المسلح علي الدولة والمجتمع بدعوي الحفاظ علي حق مُدَّعَي في شرعية مزعومة  ، في مقابل نزع الشرعية عن حق مقرر في شرعية قائمة . ولا شك أن الإعتصام بصورته التي كانت قائمة كان مفسدة عظيمة تستوجب الدرء قبل استجلاب أي منفعة . وما المثقف النخبوي ـ مع افتراض حسن النية وليس سوء النية ـ إلا كالإخواني الذي لا يري حديث انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً إلا بعين واحدة  ، فتراه ينصر صاحبه باعتباره مظلوماً علي طول الخط . فالمثقف النخبوي رأي فيما حدث انقلاباً ـ سواء انقلاباً عسكرياً أو انقلاباً علي الحرية أوالديمقراطية أوحقوق الإنسان ، أو كل ذلك جميعاً ـ ثم مد الخيط علي استقامته دون أن يلتفت  لإعادة قراءة المشهد . وإزاء حالة القبول والحب التي حظي بها المشير السيسي ـ علي نحو تلقائي ـ علي نطاق واسع بين جماهير الشعب ، وذلك للشجاعة التي تحلي بها ، والتضحية المحتملة بحياته التي أقدم عليها ، وانحيازه لإرادة الشعب ، وتلك معادلات إنسانية متبادلة تسمو فوق حسابات الورقة والقلم ، والربح والخسارة ، إزاء ذلك توجس المثقف النخبوي من بزوغ نجم شخصية كاريزمية تلتف حولها الجماهير ، فتنجرف في اتجاه صناعة الدكتاتور . وصناعة الدكتاتور تتصادم مع غايات الثورة وأهدافها . فكان لابد من تشويه المشهد بالقراءة المقلوبة له . فما أن طالبت جماهير الشعب ـ والحديث دائماً عن الأغلبية ـ المشير السيسي بالترشح لرئاسة الجمهورية ، حتي جري استدعاء كل سوءات الحاكم الفرد ، خاصة من كان صاحب خلفية عسكرية . ذلك قبل أن يعلن الرجل ترشحة ، وزادت ضراوة الحملة المضادة بعد إعلان ترشحه . والقضية هنا ليست قضية ترشح السيسي من عدمه ، ونجاحه في الإنتخابات من عدمه  ، وإنما القضية هي قضية القراءة المقلوبة للمشهد . فقد ذهب الفكر النخبوي إلي القول بأن التبشير بالحاكم الفرد صاحب الخلفية العسكرية يعني الترويج للخبز والأمن بديلاً عن الديمقراطية ، والترويج لاستقرار الدولة وتماسك المجتمع ومواجهة الارهاب بديلاً عن حقوق الانسان وسيادة القانون ، فالقضايا الأولي لها الأولوية علي القضايا الثانية ، بما يعني فك الإرتباط الموضوعي بين الثورة وأهدافها . والعودة إلي الحاكم الفرد / المنقذ / الملهم / صاحب القدرات الخارقة ، في مقابل ضعف المساءلة / المحاسبة / الرقابة . هذا الموقف الفكري من المثقفين النخبويين يضع المجتمع في مواجهة ساخنة في تصورهم مع المرشح السيسي ، وفي موقف سلبي من المؤسسة العسكرية ، وإحداث نوع من الفصام النكد بينها وبين المجتمع المصري . والواقع أن موقف المثقفين منتقد من زاويتين ، الزاوية الأولي : أن الدستور الحالي ، والسلطات الموزعة ما بين رئيس الجمهورية ، ورئيس الوزراء ، ومجلس النواب يحول دون صناعة الحاكم الفرد / المطلق / المستبد . ولم يعد الشعب المصري في حاجة إلي ثورة جديدة مع صلاحية البرلمان في سحب الثقة من الرئيس ، ولم تعد الحكومة مجرد سكرتارية لرئيس الجمهورية . ولم تعد الحرية وحقوق الإنسان مجرد منحة من الرئيس ، وإنما هي حق دستوري لا ينازع . ومن هنا يصبح لزاماً علي المثقفين إعادة قراءة الدستور، وإعادة البناء علي هذه القراءة . والزاوية الثانية : أنهم وضعوا احتياجات المجتمع في مواجهة تناقضية فيما بين بعضها البعض . فمن قال أن الأمن والخبز بديل الحرية ؟. ومن قال أن استقرار الدولة وتماسك المجتمع بديل حقوق الإنسان وسيادة القانون ؟ . وجميعها احتياجات بشرية لازمة لأي تجمع بشري ، والقضية هي قضية ترتيب الحاجات بحسب أهميتها النسبية للفرد والمجتمع . أو بمعني أدق ، النظر في حاجة المجتمع إلي الحرية  ، والديمقراطية ، وتداول السلطة ، وحقوق الإنسان ، في ظل الظروف الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والدولية التي تمر بها مصر . وحتي تكون قراءة المشهد المصري الراهن في الإطار الصحيح .

0 تعليقات:

إرسال تعليق