بقلم: منال الطيبى
"من الأفضل أن تترك عشر مجرمين يفلتون من العقاب عن أن تظلم بريئا واحدا."
مقولة قالها العديد من الفلاسفة على مر العصور المختلفة ليؤكدوا بها على ضرورة إعمال القانون والعدالة والالتزام بهما حتى لو كان الأمر سيؤدى إلى إفلات مجرمين من العقاب وذلك لضمان أنه لن يُظلم برئٌ واحد.
قفزت هذه العبارة سريعا إلى ذهنى عندما علمت واستمعت لما يسمى بتسجيلات النشطاء. ولا يعنينى هنا مطلقا الدفاع عن هؤلاء النشطاء أو إدانتهم، فربما يكونون مدانين بالفعل وربما يكونون أبرياء. لكن ما يعنينى هو أنه حتى وإن كان هؤلاء النشطاء قد انتهكوا القانون والأعراف وتحالفوا ضد الدولة المصرية، فكيف للدولة المصرية نفسها أن تنتهك القانون والأعراف. ففارق كبير بين انتهاك الأفراد للقانون وهنا تقوم الدولة بما لها من سلطات عن طريق مؤسسات العدالة بمحاكمتهم، وبين أن تنتهك الدولة ذاتها القانون، ففى هذه الحالة من سوف يحاكم الدولة؟!
إن احترام حرمة الحياة الخاصة والتى منها عدم التنصت على المكالمات للأفراد هى حق لكل إنسان قد ورد فى العديد من مواثيق حقوق الإنسان الدولية يأتى على رأسها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والعهد الدولى للحقوق السياسية والمدنية. وقد نصت المواثيق على ضرورة أن تقوم الدولة بالنص فى قوانينها الداخلية على احترام حرمة الحياة الخاصة وحمايتها من أى تدخل تعسفى، وإذا حدث هذا التدخل فيكون طبقا لنص قانونى لا يتعارض مع الاتفاقيات الدولية.
ولقد نص دستور مصر لعام 1971، ودستور 2012، وحتى تعديلات لجنة الخمسين أنه للحياة الخاصة حرمة لا يجوز الإطلاع عليها أو مصادرتها أو مراقبتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة ووفقا لأحكام القانون.
فإذا قامت الدولة نفسها بمخالفة هذه القاعدة، وضربت عرض الحائط بكل القواعد القانونية الراسخة فى القانون الدولى لحقوق الإنسان وفى الدساتير والقوانين المصرية، وإذا وافق المجتمع نفسه على ذلك، إذن فنحن أمام إشكاليتين حقيقيتين. أول هذه الإشكاليات هى التى تتعلق بالدولة نفسها وعدم احترامها لمبادئ القانون والعدالة وحقوق الإنسان، وإشكالية أكبر هى الثقافة المجتمعية التى تؤدى إلى قبول، بل ومباركة الكثيرين من الشعب المصرى لانتهاك الدولة نفسها للدستور والقانون وحقوق الإنسان.
سيقول البعض: ومن قال إن الدولة هى من سجلت للنشطاء، ولكن انتهاك الدولة لحقوق الإنسان لا يتوقف فقط عند انتهاكها هى لحقوق الإنسان بواسطة أجهزتها المختلفة violation of human rights by commission، ولكن أيضا عن طريق تشجيعها أو تواطئها أو عدم تدخلها أو منعها لهذا الانتهاك إذا قام به طرف ثالث Violation of human rights by Omission، وهو التزام يقع على عاتق الدولة فيما يخص حقوق الإنسان، فالتزامات الدولة هى الترويج لحقوق الإنسان حتى تصبح ثقافة مجتمعية، احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها بواسطة أجهزتها المختلفة، حماية حقوق الإنسان من ألا تنتهك بواسطة طرف ثالث، وأخيرا العمل على تحقيق هذه الحقوق.
فإن كانت الدولة لم تقم بنفسها بالتسجيل للنشطاء ولا بإذاعة هذه التسجيلات، فإنها أيضا لم تقم بمنع إذاعتها ولا مساءلة من أذاعها باعتباره قد انتهك أحد القواعد العامة الراسخة لحقوق الإنسان وهى حرمة الحياة الخاصة.
سيقول البعض أيضا: ولكن هؤلاء النشطاء قد تآمروا على مصر. ربما يكون ذلك صحيحا وربما لا، فأيضا القاعدة القانونية تقول إن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وإلا فما الداعى لوجود السلطة القضائية إذا حكم كل منا على الأخر إنطلاقا من وجهة نظره. الأمر الأهم هو كيف يمكن أن نتيقن أنه مثلما قامت الدولة بالتنصت على شخصيات قد تكون مدانة بالفعل (إن ثبت إدانتهم) دون أمر قضائى، أو على أقل تقدير أنها لم تقم بذلك ولكنها قد سكتت عن انتهاك طرف ثالث ولم تمنع هذا الانتهاك ولم تقدم من قام بالانتهاك للمساءلة القانونية، كيف نضمن أن ذلك لن يتم استخدامه ضد أبرياء فى المرات القادمة؟! فيتم وضع مسجلات وكاميرات لنا حتى فى غرف نومنا ومساومة بعضنا حتى إن كانوا شرفاء للسكوت عما يرونه من أخطاء فى السياسات العامة للدولة أو كشف فساد أو غيره، فيما يسمى بسياسة ترويض المعارضة، الأمر الذى ليس بجديد على الأنظمة فى مصر، بل قامت به طوال الوقت، وربما عصر صلاح نصر ليس ببعيد كى نتذكره.
إن الانتهاك الذى ارتكبته أجهزة الدولة المصرية سواء بشكل مباشر أو بشكل متواطئ فى نشر مثل هذه التسجيلات وعدم الوقوف وقفة حازمة ضد انتهاك خطير لحقوق الإنسان وللدستور وللقانون لهو يدين الدولة المصرية أكثر مما يدين النشطاء أنفسهم الذين تم إذاعة تسجيلاتهم، فكان أشرف لأجهزة الدولة تقديم هؤلاء النشطاء للمحاكمة بدلا من اتخاذ اسلوب التشهير وقاعدة المصاطب. أيضا فإن هذا الانتهاك يضعنا أمام تساؤل هام وخطير وهو مدى التزام النظام فى مصر باحترام الدستور والقانون والتزامات مصر الدولية فيما يخص حقوق الإنسان فى الفترة القادمة، وما فائدة التصويت على دستور يتم ضرب عرض الحائط بمواده !
إن العالم كله مازال يتذكر فضيحة ووتر جيت التى أطاحت برئيس أكبر دولة فى العالم وهو الرئيس نيكسون، لكن العالم لا يتذكر نص المكالمات التى سجلها البيت الأبيض للحزب الديمقراطى، فلا يوجد أى عذر لأى دولة أو نظام عندما ينتهك حقوق الإنسان وينتهك الدستور والقانون بدلا من أن يحميهم ويعمل على احترامهم، وإذا حدث ذلك فإنه يُعد فضيحة، لا أن يتم تبريره كما هو حادث الأن.
سيقول البعض أيضا، إن هذا مبرر لحماية الوطن، فأقول لهؤلاء: إن الوطن ليس الأرض والتراب، الوطن هو نحن، فإذا لم نحيا فى وطننا بعزة وكرامة فى ظل دولة تحترم حقوق الإنسان ودولة القانون والعدل بدلا من دولة الغاب، إذن فماذا سيتبقى من الوطن؟! وهنا لا أجد أفضل من كلمات الشاعر الكبير الراحل أحمد مطر لأختم بها كلماتى ولأؤكد على معنى الوطن عندما قال:
نحن الوطن !
من بعدنا تبقى الدواب والعفن
نحن الوطن !
إن لم يكن بنا كريما آمناً
ولم يكن محترما
ولم يكن حرا
فلا عشنا ولا عاش الوطن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق