د.هويدا صالح
من منا لا يذكر صورة اليهودي لدى شكسببر في مسرحيته " تاجر البندقية " فاليهود حسبما صورهم شكسبير في أعماله المسرحية كانوا معروفين في إنجلترا والغرب عموماً في القرون الوسطى بالفساد والغدر والحقد لدرجة أن المسيحي لا يمكن أن يجعل مربية أبنائه يهودية حتى لو تنصّرت . هذا ما صوره شكسبير في إبداعه المسرحي ، وذات الصورة هي التي رسمها أيضا ألبرتو إيكو في روايته مقبرة براغ التي صدرت حديثا عن دائرة الشئون الثقافية ببغداد وترجمها خضير اللامي. استطاع الكاتب بعد اشتغاله على التاريخ في روايته الأشهر " اسم الوردة " أن يعود مجددا ليعيد تشكيل بروتوكولات " حكماء صهيون " في فضاء سردي متخيل حيث "مقبرة براغ" وهي المكان الذي اختاره حاخامات اليهود في أوروبا للاجتماع ومناقشة الحملات التي تدار ضد أبناء جلدتهم والتوصل لطرق لمواجهتها، وكان نتاج هذا المؤتمر "بروتوكولات حكماء صهيون".
والرواية تمزج الفلسفة والتاريخ خاصة تاريخ أوربا في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين، وتقدم التاريخ عبر رؤية بوليسية ذات بعد فكري عميق. حاول فيها إيكو الكشف عن المؤامرات والألغاز التاريخية التي تحيط بوجود اليهود في أوربا والتي كانت المهاد الأول لما سمى فيما بعد بالـ " هولوكوست " والتي حرقهم فيها هتلر رغم اختلاف العالم على أعداد الذين احترقوا فها . كما تشتغل الرواية على الثقافة الأوربية في تلك الحقبة التاريخية الهامة التي سبقت الحربين العالمية الأولى والثانية ، كما تضيء جوانب الحياة الاجتماعية في الحقب التي تتناولها
حاول إيكو فيها أن يجمع ثقافة وأفكار ومعتقدات القرن التاسع من ولادة الدول الوطنية والصراعات الداخلية وحملة غاريبالدي في صقلية والثورات الفرنسية، وطموحات الدولة البروسية وحملتها على فرنسا، وسياسات القيصر الروسي. ويعتبر هذا البعد التاريخي إطارا لعالم سفلي يلاحقه إيكو، عبر الجمعيات السرية من مثل الماسونية والحركات المسيحية، اليسوعيين واليعاقبة، والحركات الفكرية، ومؤامرات الشرطة والجواسيس.
تبدأ القصة من تورين لكنها حيث جد الرواي سيمنوني ، ثم تستعاد في باريس المسرح الرئيسي لمعظم أحداثها عبر ذاكرة سيمنوني التي تستعيد تاريخ الجد عبر أوراقه ومذكراته. كتب إيكو سردياته كيوميات بدأت عندما أخذ سيمنوني المقيم في باريس في شقة فوق دكان، يشعر أن شخصا يلاحقه أو يسكن في خزانة ثيابه والأسوأ هو أنه بدأ يشعر بضعف في الذاكرة واختلاط الأحداث وضبابية في التفكير، وقد بدأ الكتابة لحظة وصوله باريس حيث تعرف في فندق كان ينزل فيه مع طبيب اسمه فرويد الذي قال له إن الطريقة الوحيدة للسيطرة على ذاكرته هي كتابة يومياته مستعيدا فيها أحداث حياته وما قابله فيها، حيث يغوص في داخل عقله الباطن ويستعيد دقائق وتفاصيل ما مر به من أحداث. بدأ سيمنوني حياته في الجاسوسية واختراق الجمعيات السرية والجريمة. أنشأ مكتبا عدليا لتزوير كل شيء، ومهارته جذبت أنظار مسؤولي جمعية سرية، كانت تراقب بخوف انتصارات غاريبالدي في صقلية ولهذا أوكلت إليه مهمة جمع المعلومات عن الحملة وعن مواقف سكان صقلية، وتكوين جيشه من الموالي والمعارض. وتم ترتيب رحلة سيمنوني بطريقة لا تثير الشك حيث دخل صقلية في سفينة كانت تقل الكسندر دوماس الذي تأثر بأبطاله وحكاياته عن الجمعيات السرية. يقضي سيمنوني وقتا في الجزيرة وهو يجمع المعلومات، وتظهر نزعة سيمنوني القاتل عندما يتخلص من وزير مالية غاريبالدي ويدمر سفينة كانت تقله في خطة محكمة، وتذهب مع المسؤول الوثائق المهمة، عندما يعود ويقابل المسؤولين عنه يقولون إنه لم يطع التعليمات وذهب أبعد من الخطة المطلوب منه تنفيذها ويطلبون منه الرحيل إلى باريس، لأن حياته باتت معرضه للخطر في إيطاليا. وفيه باريس يبدأ في تشكيل خيوط روايته.
لكن السؤال ما مساحة التخييل والحقيقة في هذه الأحداث التاريخية ؟ هل هي كتابة تاريخانية بالفعل أم إيهام بالتاريخانية ؟ من يقرأ بروتكولات حاخامات اليهود يتكشف له أن أحداث الرواية ليست خيالية تماما ، فمساحة التخييل ربما لم تأت إلا مع شخصية سيمنوني وكراهيته لليهود ، حيث يعبر عن الكراهية الأوروبية في ذلك القرن والكتب السرية التي كانت توزع من أجل تأكيد هذه النزعة، وقد ورث سيمنوني تلك الزعة عن جده ، حيث ورث عنه صندوق أوراق يكشف المسكوت عنه في دور اليهود في أوربا ، وكيف أنهم دأبوا على التآمر اليهود، وعلى إصدار الكتب والمنشورات السرية، لكن الصندوق بما فيه كان مصدر إلهام للجاسوس حيث حمله معه بعد أن أنقذه قبل أن تضع المحكمة يدها على كل ممتلكات جده الذي استدان حتى صادرت المحكمة ممتلكاته . كما استفاد من كتاب كاتب مثالي اسمه (موريس جولي) الذي التقاه في السجن حيث سرق منه الكتاب قبل أن يقتله. وهو الكتاب المشهور الذي كتبه جولي "حوار في الجحيم بين ميكافيلي ومونتسيكو" وهو الذي سجن من أجله بسبب انتقاده نابليون الثالث.
تبدأ الرواية من عام 1830 وتنتهي عام 1897 أي في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. ولكن أحداثها تمتد من إيطاليا وفرنسا، وروسيا بل تصل إلى أمريكا، وعمد إيكو في سرد للرواية إلى استخدام راويين ، الأول هو الراوي العليم ، والثاني هو سيمنوني نفسه، ومن وراءهم المؤلف. وهنا يقدم لنا الكاتب عبر تقنية النص داخل النص سرديات ويوميات لا تفتقد للتشويق والحس البوليسي الذي يقدم للقارئ وجبة دسمة من الإثارة والحبكة الدرامية.
يصور سيمنوني اليهود الذين يصورهم بأنهم أساس كل سوء في أوربا، فمنهم المجرمون و العاهرات، القتل من أجل فطيرة الدم المقدس ، ويسرد إيكو قصة قتل المطرانين الكبوشيين في دمشق، واتهام اليهود بارتكاب الجريمة مما أدى إلى مذبحة ضدهم، ووصل أحد الناجين منهم إلى تورين حيث عاش في جيتو يهودي مغلق على اليهود فقط ، وكان يقص على جد سيمنوني حكايات اليهود وتعاليمهم وخططهم ، وهنا يطرح إيكو عبر شخوصه تساؤلا هاما عن كيفية سيطرة اليهود على مقدرات العالم رغم أنهم مجرد أقلية دينية تتجمع في جيتو مغلق ؟! كذلك يتساءل كيف أن اليهود يفتقدون للخيال ومع ذلك سيطروا وهذه الاقلية التي لا هكذا على العالم ؟!
وكأن نص إيكو هو ميتا سرد أو رواية داخل رواية، فسيمنوني يحول مذكرات جده إلى رواية ، بل يأتي مسمى الرواية بشكل واضح على لسانه حيث يقول :" إذا أردت أن أبيع رواية عن مؤامرة، فلست بحاجة إلى أن أعرض على الشاري شيئا أصيلا، لكن معلومات يعرفها، لأن الناس يؤمنون بما يعرفون من الأصل، وهذا هو جمال المؤامرة العالمية"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق