Ads

الزوايا الابواب الخلفية للدعوة الاخوانية


دكتور عادل عامر

حذر الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف من أن بث الأكاذيب ومحاولات التشهير بالعلماء وتغيير القرارات وإساءة تفسيرها بما يخدم فكرا معينا يوفر غطاء معنويا للجماعات التكفيرية والأعمال الإرهابية .. مطالبا كل الفصائل الوطنية بإعلان موقفها صراحة بنبذ العنف والإرهاب والعمليات الإجرامية حتى لايكون سكوتها موافقة على تلك الأعمال.لم تدرك جماعة «الإخوان المسلمين» أن القوات المسلحة هي أكبر معبر عن الطبقة الوسطى في مصر هذه الطبقة التي توسعت قاعدتها بفضل سياسات الثورة المصرية الاقتصادية والاجتماعية. وهم سارعوا إلى التصادم مع الإعلام مع عدم امتلاكهم كوادر إعلامية جيدة وخطاباً يتناسب مع الحاضر لا الماضي. وعلى مدى عام من الحكم لم يضع الرئيس الإخواني محمد مرسي حجر أساس مشروع كبير يبين أن هناك إنجازاً يفتح الأمل للمصريين ففقدوا معه الأمل. لقد ظلم «الإخوان المسلمين» محمد مرسي حين رشحوه للرئاسة وظلموا أنفسهم، فقد يكون كفاءة قيادية في التنظيم وخطيباً إسلامياً مفوهاً، لكن شخصيته لا تتلاءم مع منصب الرئاسة في مصر. إن مراجعة التيارات الإسلامية لسياستها وخطابها باتت أمراً ملحاً، وصولاً إلى التفرقة القاطعة بين الدين والسياسة. ومن تفويض ديني تحتكره جماعة وتغسل به أدمغة البسطاء إلى تفويض عسكري طلبه الفريق السيسي في سابقه أشعل التفويض الشعبي أو العسكري المنشود نيران الحماسة ومشاعر الحب وعواطف العشق لدى ملايين من المصريين الذين تعتريهم ما يمكن تسميته بـ «يوفوريا السيسي» أو «نشوة السيسي»، وهي نشوة تعيد إلى الأذهان ولع المصريين بالراحل جمال عبد الناصر. هذه النشوة دفعت من كان يخطط لقضاء عطلة نهاية أسبوع خارج القاهرة أو على أريكة غرفة جلوسه أو أعلى سطح بيته إلى تلبية النداء لسببين: حباً في السيسي، ورغبة في البقاء بعدما وصلت رسالة استحالة التعايش السلمي بين المصريين و الأخوان إلى كثيرين.

إن مصر تضم 82 ألف مسجد كبير ونحو 25 ألف زاوية صغيرة. وإن كانت الوزارة تُحكم سيطرتها على المساجد، فإن الزوايا تخضع كلياً لفكر الجماعات الإسلامية على اختلاف توجهاتها. وهذه الزوايا عبارة عن مساجد صغيرة تقل مساحتها عن 100 متر بناها أهالٍ أسفل منازلهم أو على أراضٍ يمتلكونها، وعادة ما تتبع كل زاوية جماعة دينية محددة تتولى الإنفاق على كل شيء بدءاً من النظافة انتهاء براتب الخطيب الذي يُشبع عقول الناس بفكر تلك الجماعة. وغالبية الزوايا في مصر تتبع إما جماعة "الإخوان المسلمين" أو السلفيين أو الجماعة الإسلامية أو حتى "التكفير والهجرة". وغالباً ما تتعمد تلك الجماعات عدم الانتهاء من بناء المساجد الكبيرة التي يتبرع بنفقاتها الأهالي أو أعضاء تلك الجماعات من أجل تعطيل تسليمها لوزارة الأوقاف، إذ إن القانون ينص على تسلم الوزارة المسؤولة عن المساجد في مصر أي مسجد ينتهي بناؤه حتى لو كان بتبرعات أهلية أو شخصية، وتتولى الوزارة تعيين إمام للخطابة فيه، وطالما ظل المسجد تحت الإنشاء فهو في عهدة تلك الجماعات التي تُقيم فيه الصلاة ويعتلي أعضاؤها منابره للخطابة في الناس. وأصدر وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة قبل أيام قراراً بحظر إقامة صلاة الجمعة في الزوايا التي تقل مساحتها عن 80 متراً، واقتصرها على المساجد الكبرى التي تتولى وزارة الأوقاف تعيين أئمتها، كما قرر تجديد تراخيص خطباء المساجد خلال شهرين على ألا يُمنح غير الأزهريين (خريجي جامعة الأزهر) إجازة باعتلاء منابر المساجد، وهو القرار الذي يُتوقع أن يجد صعوبة بالغة في تطبيقه، في ظل سيطرة الجماعات الإسلامية على آلاف المساجد والزوايا. وعزا وزير الأوقاف قراره إلى أن بعض الخطب توفر "غطاء معنوياً للجماعات التكفيرية والأعمال الإرهابية". وتكرر في الشهرين الأخيرين أن شن خطباء في زوايا صغيرة وأيضا مساجد كبيرة هجوماً على الجيش وقائده الفريق أول عبد الفتاح السيسي في أعقاب إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي، ما سبب غالباً اشتباكات بين أنصار الرجلين، داخل مساجد وخارجها. إنه قرار ضروري لضبط الخطاب الديني. إن تطيبق هذا القرار أمر في منتهى الصعوبة. وإن أنه قد يظل حبراً على ورق في ظل سيطرة أهالٍ وجماعات على زوايا ومساجد. أن وزارة الأوقاف لا تملك قوة لتنفيذ ذلك القرار، ومن الوارد أن تحدث مناوشات، إن حاول الإمام المُكلف من وزارة الأوقاف اعتلاء منبر مسجد أو زاوية تسيطر عليها جماعة إسلامية. أن القرار سيطبق بشكل تدريجي وسلس. وقال: "ليس لزاماً أن يحدث هذا الأمر مرة واحدة، لكن البدء في تنفيذه أمر في منتهى الأهمية، وسنصل إلى مبتغانا بالحجة والنقاش".كان لا بدَّ للسياسة والسلطان السياسي من شرعية جديدة بعد أن انصرمت حقبة النبوة التي استمدَّا منها شرعيتهما. وكان لا بد لهذه الشرعية الجديدة من أن تستند إلى الدين حتى يُنْظَر إليها بوصفها تنتسب إلى استمرارية تاريخية طبيعية بدأتها الدعوة والنبوة، وحتى تَحْتَازَ السياسةُ – والسلطةُ السياسيةُ – استحقاقاً من قبل المؤمنين لأن تُؤْتَمَنَ على الميراث النبوي: الرسالة. وهو ائتمان ليست وظيفَتُه في إحاطة السلطان السياسيّ ما بعد – النبويّ بما يضمن له إسلاميتَه أو مضمونَه الإسلامي فحسب، بل أيضاً – وأساساً – في استئناف ما كانت قد دشَّنَتْه النبوة والدعوة: نشر رسالة الإسلام في العالَمِين واستكمال مشروع الفتوح الذي أطلقه فتح مكّة، والخروج به – من ثمة – من المجال الحجازي، حيث مهد الرسالة والجماعة، حيث محيطُها الجغرافي والاجتماعي والثقافي، الأقرب إلى خارج حدود بلاد العرب توكيداً لعالَميتها ووفاءً للأمر القرآني الصريح نصّاً بِحَمْل تعاليم الدين الجديد إلى الآفاق. ومع أنه ما كان في حوزة الصحابَة – وهم من شكّلوا في حينه ما يمكن تسميتُه بالطبقة السياسية لـِ "دولة المدينة" والسلطان السياسيّ النبويّ – ما يستدلون به من النصوص الدينية على وجوب قيام سلطانٍ سياسيّ في المسملين منفصلٍ عن سلطان النبوة أو وارثٍ له، إلاّ أنه كان في مُكْنِهم أن يُدْرِكوا أمريْن متضافريْن في الدلالة: أن استكمال مهمة نشر الرسالة يحتاج إلى دولةٍ وسلطان يتعهد الفتوح بالرعاية والتنظيم والتدبير بعد أن يتعَهَّد أمرَ المؤمنين بما يضمن استمرار جماعتهم متماسكة ثم إن الدين الذي به آمنوا واعتزموا نشره في الآفاق وَعَدَهُمْ بأن يرثوا الأرض استخلافاً، والاستخلاف لا يكون بغير سلطان ماديّ مكين. أن تجربة الإسلاميين عمومًا مع فكرة الصدام والمواجهة لا تشجع على العودة إلى ذلك؛ فهو خيار يقع خارج سياقات الرهانات الحالية للجماعة وحتى أغلب التيارات الإسلامية الراديكالية سابقًا. وربما هذا على المدى الأبعد يمنح الأرضية المطلوبة لولادة "النموذج الإسلامي التركي، أي حركة إسلامية أكثر تطورًا في خطابها الأيديولوجي وطرحها السياسي تعيد هيكلة شعاراتها وأفكارها، بما يتجاوز معوقات المؤسسة العسكرية والخصوم السياسيين للإسلاميين كما فعل حزب العدالة والتنمية التركي. تطوير التجربة الإسلامية باتجاه النموذج التركي، تحت وطأة التشابه في دور المؤسسة العسكرية في الحالتين، التي تحول دون وصول الإسلاميين إلى السلطة، يتطلب شرطًا آخر وهو وجود إطار ديمقراطي وآليات انتخابية ومؤسسات تمثيلية مستقلة، فنفوذ الجيش التركي في العملية الديمقراطية والسياسية يقتصر هناك على ما يسمى بحماية القيم العلمانية-الأتاتوركية، بينما في الحالة المصرية، فإن المؤسستين العسكرية والأمنية تتغلغلان في تفاصيل كثيرة، ولهما نفوذ واسع في الاقتصاد والإعلام والسياسة، ما يحد من ديناميكية اللعبة الديمقراطية وقدرتها على دفع الإسلاميين إلى تطوير خطابهم السياسي، لدرجة قريبة من نموذج العدالة والتنمية التركي.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

0 تعليقات:

إرسال تعليق