بقلم : د. عبد الحليم منصور
رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالدقهلية – فرع جامعة الأزهر
َتَشْتَمِلُ هَذِهِ الْفَرِيضَةُ عَلَى حِكَمٍ جَلِيلَةٍ كَثِيرَةٍ تَمْتَدُّ فِي ثَنَايَا حَيَاةِ الْمُؤْمِنَ الرُّوحِيَّةِ ، وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعِهِمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، مِنْهَا :
1 - أَنَّ فِي الْحَجِّ إِظْهَارَ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لأَنَّ الْحَاجَّ يَرْفُضُ أَسْبَابَ التَّرَفِ وَالتَّزَيُّنِ ، وَيَلْبَسُ ثِيَابَ الإِحْرَامِ مُظْهِرًا فَقْرَهُ لِرَبِّهِ ، وَيَتَجَرَّدُ عَنِ الدُّنْيَا وَشَوَاغِلِهَا الَّتِي تَصْرِفُهُ عَنِ الْخُلُوصِ لِمَوْلاهُ ، فَيَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِمَغْفِرَتِهِ وَرُحْمَاهُ ، ثُمَّ يَقِفُ فِي عَرَفَةَ ضَارِعًا لِرَبِّهِ حَامِدًا شَاكِرًا نَعْمَاءَهُ وَفَضْلَهُ ، وَمُسْتَغْفِرًا لِذُنُوبِهِ وَعَثَرَاتِهِ ، وَفِي الطَّوَافِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ يَلُوذُ بِجَنَابِ رَبِّهِ وَيَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَمِنْ هَوَى نَفْسِهِ ، وَوِسْوَاسِ الشَّيْطَانِ .
2 - أَنَّ أَدَاءَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعْمَةِ الْمَالِ ، وَسَلامَةِ الْبَدَنِ ، وَهُمَا أَعْظَمُ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا ، فَفِي الْحَجِّ شُكْرُ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ ، حَيْثُ يُجْهِدُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ " وَيُنْفِقُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ ، وَلا شَكَّ أَنَّ شُكْرَ النَّعْمَاءِ وَاجِبٌ تُقَرِّرُهُ بَدَاهَةُ الْعُقُولِ ، وَتَفْرِضُهُ شَرِيعَةُ الدِّينِ .
3 - يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ فِي مَرْكَزِ اتِّجَاهِ أَرْوَاحِهِمْ ، وَمَهْوَى أَفْئِدَتِهِمْ ، فَيَتَعَرَّفُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْلَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، هُنَاكَ حَيْثُ تَذُوبُ الْفَوَارِقُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَوَارِقُ الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، فَوَارِقُ الْجِنْسِ وَاللَّوْنِ ، فَوَارِقُ اللِّسَانِ وَاللُّغَةِ ، تَتَّحِدُ كَلِمَةُ الإِنْسَانِ فِي أَعْظَمِ مُؤْتَمَرٍ بَشَرِيٍّ اجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ أَصْحَابِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَعَلَى التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ ، هَدَفُهُ الْعَظِيمُ رَبْطُ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ بِأَسْبَابِ السَّمَاءِ .

0 تعليقات:
إرسال تعليق