Ads

الترجمة المسرحية بين التقليد والتجديد


د .كمال يونس

 يجب إعادة النظر في عملية ترجمة النصوص المسرحية ، باعتبارها من أولويات التعرف على الإبداع المسرحي الأجنبي ، خاصة من جانب الأطراف المشاركة في العملية المسرحية، سواء أكانوا مترجمين، كتابا ، مخرجين ، منظرين، نقادا،  ممثلين  دارسين للمسرح ، حين تضع نصب عينها الجمهور، باهتماماته ، وميوله ، في سعيها الدؤوب أن يتعرف على الإبداع العالمي في هذا الفن ، فن المسرح ، الذي هو مدرسة الشعب،بما له من دور محوري هام  في نقل الثقافات ، بالإطلاع على إبداعات الغير.
وواقع الترجمة للمسرح منذ بداياته حتى الآن قد اتسم بعدة مآخذ ، لم تجد الاهتمام الكافي للوقوف عليها ، من جانب المترجمين إلا ندرة ، أو من المسرحيين الذين عاشوا وفى ذهنهم الترجمات القديمة ، احتفاء بكاتبها الأصلي أو مترجمها ، وكأنه محرم تماما تحديث تلك الترجمات ، أو التعامل معها بلغة عصرية ، وكأنها نصوص مقدسة ، متناسين أن أحوال الشعوب في حركة دائبة ، واللغة تتفاعل في إصرار للبقاء في دائرة الاستعمال ، حتى تكتسب المرونة ، وصفة الحياة ، إلا أن هذا الجمود أعطى التراث المسرحي العالمي المترجم عدة سمات مثل ثقل المضمون ، وصعوبة اللغة ، وقدم ومتحفية الألفاظ المستخدمة، في ذهن الجمهور وبخاصة الشباب  ، في زمن العولمة ، حيث تتنازع وسائل الإعلام على استقطاب الجماهير ، مما آثر سلبا على الإقبال على العروض المسرحية الكلاسيكية، لأنها ارتبطت في الأذهان بالكآبة ، وثقل الظل.  
ولقد لجأ  غالبية المترجمين إلى تقديم أعمالهم  شعرا أو نثرا ، مما يستحيل معه تطابقها مع النص ، مما أضطرهم إلى لوى عنق الكلمات ، وترادفها لتناسب القافية ، أو الوزن ، فبعدت ألفاظ  الحوار عن المضمون الأصلي ، وروح النص، الذي قصده المؤلف الأجنبي بتركيبات حواراته ، حين استخدموا ألفاظا طنانة ، رنانة ، مفخمة ،
 و أيضا المهجور منها بحكم الزمان ، وتحولاته ، وتفاعلات اللغة ، كل ذلك بهدف إثارة إعجاب الجمهور بصياغة الترجمة ، أكثر من الاهتمام بالنص نفسه ، فجاءت ترجمة حرفية أو صياغة إنشائية ، وليست إبداعية ، لأنها لم تخدم الأفكار التي صاغها المؤلف بلغته ، مما يضيع في الغالب الرموز ، والأبعاد النفسية ، والدرامية لتلك الألفاظ ، محدثة خللا في البنية الرامية للحوار على وجه الخصوص ، والعمل ككل عامة ، ولم يعد الأمر كونه  قراءة أدبية للنص ، بعيدا عن الأطر الدرامية ، وأصبح الأمر محاولة أدبية ٌمجردة ، على حساب العملية الفنية المسرحية ، ولم يكتفوا بذلك ، بل وضعوا قواعد منها ـ مثلا ـ أن الفصحى هي لغة الدراما الأسطورية والتاريخية ، وأن العامية هي لغة الأعمال الكوميدية ، ورأى البعض استخدام لغة وسطا ، تكتب بالفصحى ، وتنطق بالعامية ، ولكن أي أنواع الفصحى استخدم ،الطنانة ،البسيطة الجذلة ذات الجمالات بلاغية ،أم سوقية ، أو متقعرة ، أو فصحى ذات قوة تعبيرية ، وأما العامية فهل هي تعبيرية ، أم نبيلة ، أم سوقية ، دون مراعاة لتركيبة الشخصيات وبنائها وأدق تفاصيلها ، ومستواها الاجتماعي والطبقي ، مما يجعل الشخصيات تنطق كلاما متنافرا ، فتضيع مصداقية العمل دراميا ، لتعثرها وإخفاقها في الوصول إلى عقل ووجدان وذهن الجمهور ، لأن تلك الترجمات لم تكن سوى نقل كلمات، ورص عبارات مفخمة ، وألفاظ مسجوعة ، وخطب بليغة ، دون أدنى ارتباط بالصراع الدرامي والبناء العام ، والجو النفسي ، و الفني العام للمسرحية, متناسين دور الترجمة في نقل الأحاسيس والمشاعر ، وكان لهذا كله تأثيره على العملية المسرحية ككل ، وعلى الممثلين المشاركين في العمل على وجه الخصوص ، إذ يلجئون إلى المبالغة في الأداء  والتمثيل بأصوات مفخمة بل وأصوات مستعارة متشنجة ، وذلك كنتيجة لثقل اللغة على اللسان ، لأنها نادرة التداول ، مقيدة للطلاقة الحوارية ، مما يضطرهم  معها إلى التشويح باليدين ، والصراخ بلا مبرر ، واستخدام أساليب أداء عفا عليها الدهر ، مما يحدث انفصالا بين الحوار والممثل ، لأنه لا يستشعر الكلمات ، مما يجهده ، ويفشل محاولته المضنية في محاولة لإيصال مضمون ، وروح العمل  الفاقد المصداقية للجمهور.  

ومما سبق تناوله برز دور الدراما تورج ، وهو الشخص الذي لديه فنية ، وتقنية التأليف المسرحي ، ويمكن الإشارة إليه ببساطة على أنه المعد المسرحي ، و الذي يتناول تلك الترجمات المعيبة فنيا ، ويتعامل مع النص بنظرة فنية عصرية ، فيختزل مشاهد ، وشخصيات ، ويعيد تشكيلة البناء الدرامي بحس درامي متفرد ، وإعادة صياغة الحوار ، مع اختصار فني بليغ للحوارات المطولة ، التي لم يعد للجمهور اليوم طاقة على سماعها ، أو الإصغاء لها ، مع مراعاة إمكانية الممثلين في التعامل مع لغة ميسرة متداولة ، مع إعادة ترتيب الأحداث ، والمشاهد ، والنهاية ، حتى يحدث إيقاعا حيويا من الناحية الفنية ، كل ذلك دون الإخلال بأمانة المعد في التعامل مع النص ، بل على العكس ، لولاه مع فرضية إجادته ، وحرفيته فنيا ، مع إحساسه بنبض  واهتمامات ، الجمهور ، الذي لم يكن ليقبل المسرحية المترجمة على حالها ، حين تقدم على المسرح ، حتى لو حشد لانتاجها نجوم كبار ، ودعاية مكثفة ، ويجب على المترجم أن يفسح مجالا للدراماتورج الفنان الماهر ، دون استشعار الحرج ، خاصة إذا وضع الجميع في الحسبان ، صالح العمل الإبداعي ، والرغبة الأكيدة في تقديم أعمالا محترمة من الناحية الفنية ، من خلال روح الفريق ، في محاولة لإثراء الحركة المسرحية.

كل ما سبق يدعو إلى مناقشة قضية هامة ، " ما هي الشروط التي يجب توافرها في من يقوم بترجمة الأعمال المسرحية " ، وما بين الاستفهام بمن و كيف ، يمكن الوصول إلى إجابة ، وهى من وجهة نظر محبة للمسرح ، قد تكون فارقة في ذهن ووجدان المهتمين بالترجمة للمسرح ، إذا ظلوا على إصرارهم في ألا يشاركهم أحدهم بالعمل ، سواء بالإعداد للعمل ، وتجهيزه فنيا للعرض على الجمهور بالاتفاق مع مخرج العمل.
 إذن لابد من توافر مواصفات بعينها في من يقوم بالترجمة ، إذ لا تكفى معرفته باللغة الأصلية للنص معرفة أكاديمية ، بل تلزمه ممارسة واعية متفهمة لمدلولات الألفاظ في تلك اللغة ، مع دراسة دقيقة للظروف ، والزمان ، والمكان ، والخلفيات الاجتماعية والنفسية ، التي كتب فيها النص ، وأيضا دراسة لغوية دقيقة لمدلولات الألفاظ ، في اللغة التي  يترجم إليها ، إذ أن للمسرح لغته الخاصة ، فيها تناسق شديد بين اللفظ مع غيره من الألفاظ ، وبين اللفظ وإيقاعه الدرامي ، مع إدراك لفنون البيان والبديع في اللغتين ، واضعا نصب عينه استخدام لغة تجرى على لسان الناس ، آلفوها، وأنسوا إليها ، وغير مجهدة في محاولة تتبع مغزاها ، وذلك من خلال حوار يتسم بالرشاقة اللفظية ، مع موائمة الألفاظ للسياق العام ، وللإيقاع الدرامي النابض بالفن ، والتركيبة الشخصية ، مع مراعاة الدين والعادات والتقاليد الرصينة الجديرة بالاحترام ، والمراد التأكيد عليها ، في المجتمع الذي يترجم إلى لغته ، ولن يتأتى هذا إلا من شخص يتوافر لديه الحس الدرامي ، والمعرفة بأحوال الحركة المسرحية ، وظروف الإنتاج ، وذلك حتى تتحقق له المصداقية الدرامية ، من خلال رؤية متكاملة للنص ، من حيث مفرداته  مع الاهتمام الفني لإبراز مفهوم النص وعناصره الأساسية. 
ومما سبق يتضح جليا أن الترجمة للمسرح ، إنما هي فن قائم بذاته ، يغذى المسرح بروائع الإبداع العالمي ، وهى ترجمة تفسيرية درامية ، تفسر النص ، وتعيد صياغته  يقوم بها خاصة ممن لهم الحس الدرامي مع معرفة دقيقة باللغتين ، الأصلية المترجم إليها، ولابد للمترجم أيضا من معرفة بفن التمثيل المسرحي ، مدركا أنه يؤدى رسالة سامية في تفاعل الحضارات ، وحوارها الدائم ، يختار مفرداته بعناية ، ويوظف أنسب أشكال اللغة سواء أكانت فصحى أم عامية ويترجم إليها ، وهكذا يتضح مما سبق أننا ناقشنا وأبرزنا الترجمة المسرحية ، كعملية إبداعية ، فنية ، لابد من تكامل عناصر بعينها حتى تحقق هدفها المنشود بعيدا عن النقل الحرفي ، و الزخرفي المبالغ فيه.

0 تعليقات:

إرسال تعليق