د.طارق على حسن
علي مدى التاريخ، نشأت في المجتمعات حركات إتسمت بالسرية لأسباب عديدة بعضها مشروع مثل الإضطهاد السلطوى الظالم لفئة معينة من المجتمع تلجأ للسرية لحماية نفسها وأفرادها وتنتفي دواعي ومبررات السرية فور إعتراف السلطات وإنتهاء الإضطهاد.
علي مدى التاريخ، نشأت في المجتمعات حركات إتسمت بالسرية لأسباب عديدة بعضها مشروع مثل الإضطهاد السلطوى الظالم لفئة معينة من المجتمع تلجأ للسرية لحماية نفسها وأفرادها وتنتفي دواعي ومبررات السرية فور إعتراف السلطات وإنتهاء الإضطهاد.
ولكن هناك تنويعات آخري من السرية منها جماعات التمييز، التى تلجأ إلي السرية لأسباب كثيرة منها إنها تتمتع بتميز غير مشروع، وتسعي للحفاظ عليه وتطويرة بما يتنافي مع قواعد العدل، ومنها الجماعات الفاشية ( وتعرف الفاشية بأنها منظور أن السلطة هى القيمة العليا وفوق كل وأي إعتبار وتحت أي ستار أو شعار) وهذه الجماعات الفاشية التي سرعان مايتفاقم فيها الإنحراف، بالتالي تجد في الشفافية والمكاشفة تهديداً غيرمقبول، ومن هنا كانت السرية، ومن الجماعات السرية أيضاً جماعات ذات أهداف غير مشروعة أو أهداف إجرامية لا تجرؤ علي المُجاهرة بها مثل جماعات المافيا.
أما عن سيكولوجية الجماعات السرية ففهمها بالغ الأهمية حيث تُطور هذه الجماعات طقوس مُحددة وصعبة للدخول في زُمرة الجماعة تشمل في البدء تقديم المغريات و "الطُعم" المناسب للمطلوب ضمه لتأكيد قدر من الاعتمادية و الاحتياج ثم تأتي مرحلة فقدان الفرد لجزء حيوى من نفسه أو من جسمه أو من شخصيته، وتؤكد طقوس الدخول الوصول إلي الهدف المطلوب في تقييد الفرد وشعوره بالخوف والإثم الكبير إن رأى أن يخرج عن الجماعة فيما بعد، أوإن تَكَشّف له زيفها وإنحرافها أو أرغمته الجماعة علي أفعال ضد ضميره ...
وبعد المرور فى طقوس الدخول لكي يُقبل الفرد، يُقبل في باديء الأمر في المرحلة الأولي من مراحل الإنتماء، ثم يمر الفرد بعدة إختبارات للولاء والطاعة عملية ونظرية، ويأتى الصعود التدريجي في سُلم الجماعة السرية بأمل الوصول إلي القمة ومزيد من القبول والتميز بناءاً علي تقييم قيادات الجماعة السرية حسب التسمية المُنتشرة للقيادات ولتكن "القائد" أو "الكاهن" أو "المُرشد" وإختبارات الولاء والطاعة العملية والنظرية تحول الفرد تدريجياً إلي التعصب وإلي الولاء والطاعة الميكانيكية المباشرة بلا تفكير وتأمل وبلا خيار أى يخُتزل الإنسان إلي ماكينة عالية الكفاءة للطاعة.
ومن أول ديناميات الجماعة هو التحرك بسرعة نحو تقسيم المجتمع إلي من "منا" ومن "ليس منا"، أي "الأنا" هى كل مُنتمي لجماعتى و"الغير" الغير مختوم بخاتم "أنا" (العدو- الآخر- الناقص) والذي لم ولن يعرف حلاوة التسليم والإنتماء بالمرور في الطقوس السرية، وهو كل من لا ينتمي لجماعتى.
وبالتدريج تتكون من الجماعة، حسنة النية في الظاهر، وفى البدء، جماعة إقصائية تبدو من الظاهر إنها تنتمي إلي المُجتمع وجزء منه وولائها مثل ولاء باقي المُجتمع وجماعاته ومثل باقى أبناء المُجتمع في الإنتماء، وأهدافها جميلة وأخلاقية وظاهرة بلا حاجة للسرية، يتحول أفراد الجماعة الإقصائية بالتدريج إلي التباعد عن الأهل والأصدقاء وعن كل من وما في المجتمع ممن لا ينتمى للجماعة وتنمو جفوة وفجوة غريبه مع الآخر مع كتمان وسرية مًتصاعدة تجاه الآخرين.
الحقيقة المُقلقة أنه في الواقع الولاء في الجماعة، لا يتفق مع الولاء الإجتماعي الطبيعي للأهل والزملاء والأصدقاء، ولا مع الحساسية وحرية التجاوب مع متطلبات المُجتمع والجماعة الكبرى الطبيعية، وكيف لا يضيع الإنتماء للجماعة الكبري والإنتماء للجماعة يأتى قبل الإنتماء للمجتمع وأهدافه، بل ويحدث بتدريج غير محسوس نوع من التعالي علي المُجتمع وأفراده ممن لا ينتمون إلي الجماعة ولم يمروا بطقوس الإنتماء ولا بقسم الولاء الخاص وضرورات مراحل الإرتفاع في سلم الجماعة.
والخطير والمُخيف أيضاً بالنسبة للجماعات السرية الإقصائية أنه يتشكل فيها نسيج "أخلاقي" يُقدم التبرير لسلوك غير أخلاقي لا يلتزم بمباديء الأخلاق العامة أو مباديء القانون أو مباديء الدين تجاه الآخرين (الأغراب)، أي أن أشياء كثيرة مُباحة تجاه "الأغراب" في التعامل هي غير مُباحة تجاه لأفراد المُنتمية "إلينا"، والمثال الكلاسيكي هي الحركات الإقصائية اليهودية الصهيونية والماسونية والسيانتولوجية ، وحركات مماثلة كثيرة سرية و نصف سرية إنبثقت في أوروبا وأمريكا وروسيا والصين والهند بكثرة في النصف الأخير من القرن العشرين.
أما الصدمة الذي سيجد مُجتمعنا صعوبة كبيرة في إستيعابها هو أن المثال الكلاسيكي عندنا الذي يوازي ويماثل الجماعة اليهودية والماسونية أو السيانتولوجية هى جماعة الاخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي حيث تنطبق علي هذه الجماعات الشروط التى تنطبق علي الجماعات السرية الغير سوية أى تكوين جماعة إقصائية وأهمها طقوس الدخول الرامية إلي تسليم حرية الإختيار إلى القيادة وإلى المرشد "الكاهن الأعظم" بمقولة أنه يمثل إرادة الله مع صعوبة الخروج ومخاطر وإثم الخروج بعد الدخول (نذكر في هذا المجال لنعطى مثال شديد الصدمة والوضوح في نفس الوقت مثل المافيا، المازنادا، السيانتولوجية) ومعظم هذه الجماعات ترجح اللجوء إلي القتل أو علي الأقل الإغتيال المعنوى والمادي والإجتماعي لأي فرد تسُول له نفسه الخروج عن الجماعة بعد الدخول فيها.
إذاً عرضاً لطقوس الدخول، ولها حديث أخر، ولقسم الإنتماء الذي يشتمل بطرق سيكولوجية علي تأكيد التغريب والإدانة الضمنية لكل آخر ولكل مُختلف، نأتي إلي ما هو أخطر، وإلي أخطر ممارسة، ألا وهي إنطباق المعايير الأخلاقية علي "الأنا" وحرية خرقها بالنسبة للآخرين وكتاجر مثلاً، عندي الحرية الكاملة أن أكسب أضعاف أضعاف المكسب المشروع من التجارة في ومع مجتمع "الآخرين" بينما أتعامل مع "جماعتي" حسب مقتضيات الأخلاق و الدين...
المُجتمع الصحي يعالج هذه الظواهر الغير سوية ليس بالمنع أو بالإضطهاد حيث المنع يُغذيها ويبرر سريتها وإزدواج معاييرها الاخلاقية. ولكن يأتى العلاج بتأكيد وإرغام كل الجماعات علي الشفافية وإظهار مصادر التمويل وأوجه الصرف وأوجه الإنفاق وتفاصيل التنظيم، كما يجري التاكد من ليونه وسيولة الإنتماء والخروج من الإنتماء تأكيداً للحفاظ علي حق الخيار الحُر بلا تهديد، وبكل الحماية المُجتمعية المُستحقة لخيارات الأفراد الحُرة في الدخول والخروج من جماعات دخلوا فيها في فترة حماس أو إحتياج أو بصيرة غير كاملة.
وتطبيقاً للواقع في مصر لكي لا تقع مصر والمُجتمع المصرى ضحية لتنظيمات وجماعات سرية تُظهر غير ما تبطن وراءها جيش من المخلصين المخدوعين بأنهم يخدموا الدين والوطن، والواقع أنهم أُفقدوا وفقدوا ولاءهم للمجتمع وللوطن ونقلوه إلي حيث أوامر "المرشد الأكبر" و"القائد الأعظم" واجب الطاعة. نؤكد علي أهمية الشفافية الشفافية الشفافية! وكشف مصادر التمويل وأوجه الإنفاق لكل الجماعات مع حرية مؤكدة ومحمية دستورياً لسيولة الدخول والخروج في الجماعة، بدون ذلك التأسيس الدستورى للشفافية الضرورية نجد أنفسنا إزاء جماعات ظاهرها أنها تساعد علي تقدم المُجتمع وتطوره وإرساء دعائم الاخلاق والدين فيه، ولكن في حقيقتها جماعات تعرقل المُجتمع وتشل حركته وتحول أفراده "المُخلصين" إلي تابعين نمطيين غير قادرين علي التفكير أو الإختيار، وإلي فريسة سهله يثبتها المنظور التاريخي الواسع، حيث يتحول التابعون إلي أداه لأى ديماموجى أو فاشي أو ديكتاتور أو طاغية يستغل الأتباع "المخلصين" في إغتصاب السلطة والعمل بها من أجل مصالح وتوجهات وأهداف، أبعد ما تكون عن الصالح المُجتمعي أو الصالح الإجتماعى وأبعد ما تكون عن طريق العدل، وأبعد ماتكون عن صلاح الدنيا والدين.
ولا يفوتنا هنا ان ننبه ونحذر من إغراء حلاوة التسليم المُطلق للشاب أو العضو داخل الجماعات السرية لسلطة عليا، ويا حبذا لو كانت سلطة عليا باسم الدين أو باسم نظرية تًضفي عليها القداسة، يتحدث بإرادتها ويعرف إرادتها، وحده دون غيره، قيادات تدعي لنفسها ما لا تستحق، ومن هذه القيادات المُدعية تنبع القوة المغناطيسية المأساوية لجماعات الحقيقة المطلقة بالنسبة للآلاف من الشباب الحائر في معاناة وأزمات النمو والبحث والإنتماء. تمثل جماعات الحقيقة المطلقة والطاعة المطلقة في مرحلة الحيرة الشبابية الطبيعية سبيلا سهلا للخلاص وللراحة وليس غريباًَ أن من ذاقوا حلاوة التسليم الكامل، و ذاقوا راحة الوصول إلي الحقيقة المطلقة مع الحماية و التدعيم داخل جماعة والحماية من عذاب الشك و التفكير من خلال قيادة أو قيادات مطلقة تعرف بكل تأكيد الإرادة الإلهية و أوامرها، ليس من السهل أن يفرطوا فيما وصلوا إليه، خصوصاً إذا تبنت قيادتهم أهداف ظاهرها سامى وجميل ودينى، رغم أن باطنها أهواء البشر المُعتادة وصراعهم المُزمن علي السلطة كما هو واضح لأولي الألباب ولكن أين هم؟.
القيادات بشر مثل البشر، مثلى ومثلك، قابلون للصواب والخطأ، ولكن يتميز الديماجوجيون منهم بأنهم تخطوا مفاهيمياً حاجز التواضع الذي هو صفه العلماء ليقرروا للأتباع أنهم يمثلون الصواب المُطلق ويتكلمون باسم الذي لا يخطىء، وليس في الدين ولا الفلسفة ولا في الحكمة ولا في ضرورات العدل والعلم والحكمة، ما يعطي هذا الحق لأي بشر، سوى النبى المُرسل في حياته فقط، وهو حق ينتقل إلي العقل البشري والإجتهاد البشرى والتفاعل والحوار والتجربة والخطأ بعد وفاة النبى المُرسل.
وبعد أن شدد الإسلام أن محمد (صلي الله عليه وسلم) هو خاتم الأنبياء، فلن يكون-حسب التنزيل- للبشر بعده إلا قيادات بشرية قابلة للصواب والخطأ، وآراؤها قابلة للقبول والرفض فالتنزيل منزه ولكن الفهم إنساني وليس منزه وهذه بديهي وأي إدعاء خلاف ذلك هو إفتئات علي الحق والحقيقة والدين وهو ضد قوانين العلم وقوانين المنطق والحكمة، وهو كما علمنَا التاريخ كارثة إجتماعية مُدمرة ورائها العذاب والدم والفقر والإهدار والفشل.
أستاذ الامراض الباطنية المُتفرغ بطب الازهر
الرئيس الأسبق للمركز الثقافي القومي بدار الأوبرا
رئيس مؤسسة زينب كامل للتنمية البشرية المُتكاملة


0 تعليقات:
إرسال تعليق