الثلاثاء، 23 يوليو 2013

من فقه الصيام (13) حكم استعمال قطرة العين في نهار رمضان


بقلم : د. عبد الحليم منصور – رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون – جامعة الأزهر – فرع الدقهلية 


يتخرج حكم القطرة في نهار رمضان بناء موقف على الفقهاء من الاكتحال للصائم ، وقد اختلف فيه العلماء على رأيين :
الأول : ذهب الحنفية والشافعية والظاهرية إلى أن الاكتحال لا يضر الصوم ولا يفسده ، حتى وإن وجد له أثرا في حلقه . 
وعللوا قولهم بما يلي : 
1 ـ ما روي عن أبي رافع أن النبي دعا بمكحلة إثمد في رمضان فاكتحل وهو صائم .
2 ـ وعن أبي مسعود قال خرج رسول الله يوم عاشوراء من بيت أم سلمة وعيناه مملوءتان كحلا كحلته أم سلمة وصوم يوم عاشوراء في ذلك الوقت كان فرضا ثم صار منسوخا .
مناقشة هذا الاستدلال : لا نسلم لكم الاستدلال بالأحاديث سالفة الذكر ، لأنها أحاديث ضعيفة لا تنهض حجة في إثبات الدعوى . قال الترمذي : لم يصح عن النبي في باب الكحل شيء للصائم . 
3 ـ إن العين ليست منفذا إلى الجوف فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه . 
الرأي الثاني : ذهب المالكية والحنابلة إلى الكحل إن وصل إلى الحلق أفسد الصوم 
قال ابن قدامة : " .. فأما الكحل فما وجد في حلقه أو علم وصوله إليه فطر وإلا لم يفطر ، وبنحو ما ذكرنا قال أصحاب مالك ، وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة أن الكحل يفطر الصائم ، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطره " 
وعللوا قولهم بما يلي : بأنه قد وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بعينه فأفطر كما لو تناوله من أنفه . 
مناقشة هذا الاستدلال : يناقش هذا الاستدلال بما ذكره السرخسي بقوله :" .. إن ما وجد من الطعم في حلقه أثر الكحل لا عينه كمن ذاق شيئا من الأدوية المرة يجد طعمه في حلقه فهو قياس الغبار والدخان وإن وصل عين الكحل إلى باطنه فذلك من قبل المسام لا من قبل المسالك إذ ليس من العين إلى الحلق مسلك فهو نظير الصائم يشرع في الماء فيجد برودة الماء في كبده وذلك لا يضره . 
الرأي الراجح : يبدو لي بعد العرض السابق لآراء الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة رجحان ما ذهب إليه القائلون بعد فساد الصوم بالاكتحال ، سواء وجد له الصائم أثرا في الحلق أو لا ، لأن العين ليست منفذا معتادا إلى الجوف ، كما أن الكحل ليس أكلا ولا شربا ولا في معناه ، فدل ذلك على كونه غير مؤثر في فساد الصوم 
وبناء على ما تقدم يتخرج قول العلماء في قطرة العين فنقول : اختلف الفقهاء في حكم استعمال قطرة العين هل تفطر أو لا ؟ على رأيين 
الرأي الأول : ذهب الحنفية في الأصح والشافعية في ظاهر المذهب إلى أن قطرة العين لا تفطر ، ولا تؤثر على صحة الصوم وإن وجد لها الصائم أثرا في حلقه ، لأن العين ليست منفذا إلى الجوف عندهم 
الرأي الثاني : يرى المالكية والحنابلة أن قطرة العين مفطرة إذا وصلت إلى الحلق لأن العين عندهم منفذ ، وإن لم يكن معتادا . 
الرأي الراجح : 
يبدو لي بعد العرض السابق لآراء الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة رجحان ما ذهب إليه القائلون بأن قطرة العين لا تفطر ولا تؤثر على صحة الصوم ، وذلك لأن التقطير في العين لا ينافي الصوم ، وهو الامتناع عن الأكل والشرب والجماع ، ومثل هذا معفو عنه لأنه شيء يسير فالإنسان يتوضأ ويغتسل كل يوم وقد يصل ماء الوضوء والغسل داخل عينه ، ومع ذلك لم يقل أحد من الفقهاء بأن ذلك مفطر ، كما أن العين ليست منفذا معتادا إلى الجوف ، حتى وإن أثبت الطب الحيث أن هناك اتصالا بين العين والجوف عن طريق الأنف ، لأن هذه القطرة تمتص خلال مرورها بالقناة الدمعية فلا يصل إلى البلعوم منها شيء وحينئذ لا يصل إلى المعدة منها شيء ، وإن وصل فهو يسير ، وقياسا على أثر المضمضة والاستنشاق فكما أنه وإن وصل إلى المعدة غير مفطر ، فكذا قطرة العين ، كما أن قطرة العين الواحدة = 0.06 من السنتيمتر المكعب. وهذا المقدار لن يصل إلى المعدة , فإن هذه القطرة أثناء مرورها بالقناة الدمعية فإنها تمتص جميعا ولا تصل إلى البلعوم , إذا قلنا إنه سيصل إلى المعدة شيء فهو يسير , والشيء اليسير يعفى عنه , كما يعفى عن الماء المتبقي بعد المضمضة , وكذلك أن هذه القطرة ليست منصوصا عليها ولا في معنى المنصوص لذا كان هذا الرأي هو الأولى بالقبول ، وهذا ما ذهبت إليه دار الإفتاء المصرية .والله أعلم .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق