Ads

أعوذُ بالله من الشيطان والسياسة


د. صهباء محمد بندق

كلما مرّ بذهني فيلم المآسي المخزية المتتالية التي تروي تفاصيل وصول - أو محاولات وصول -  الإسلام السياسي في أفغانستان ؛ في الصومال ؛ في السودان ؛ في الجزائر ؛ في غزة ؛ تساءلت كيف يتحول المجاهدون - الذين كنا نظنهم كوكبةً من الصحابة أو الملائكة - في كل تجربة من تجارب الإسلام السياسي  إلى أسماك قرش شرسة تأكل الأسماك الصغيرة ؛ ثم تصطرع فيما بينها ويأكل بعضها بعضا ؛؛ وكأن السلطة المسلحة لابد وأن تصيبهم بنوبة من السُعار المزمن لا نهاية لها ولا شفاء منها ؛ إلا بخراب العباد والبلاد ؟؟!! 
ثم أتأمل الأداء المستبد لجماعة الإخوان في أعقاب سقوط مبارك ؛؛ فيتراجع السؤال وتتبدد الدهشة ؛ ويبدأ الجواب في التجلي مؤكداً  قناعتي بأن العمل السياسي لابد وأن يؤثر على جانب النقاء الروحي في الإسلام المبني على الأخلاق والزهد وابتغاء وجه الله ؛ وكلما زادت قناعتي بضرورة البعد بالإسلام عن السياسة التي تفسد الدين ؛ وتفتح شهية العاملين للإسلام على الحكم والسلطة والنفوذ والمال ؛؛ 
لقد بدأت جماعة الإخوان المسلمين دعوية ؛ وانتهت بالعمل السياسي ؛ وفي النهاية ؛ لم تصل إلى تنمية أخلاق المصريين ؛ وزيادة وعيهم بالإسلام ؛ ولم تصل أيضا إلى حكم المصريين ؛ فلم تزل عملياً تحكم نفسها واتباعها فقط ؛ فلا هي نجحت على الصعيد الدعوي ؛ كما لم تتقدم خطوة على الصعيد السياسي !!
وقد أدرك الإمام الرباني " بد يع الزمان سعيد النورسى"  خطورة خلط الدعوة بالسياسة ؛ ويبدو أن تجربته الفردية كانت عبرةً و نبراساً لتجربة الإسلام السياسي التركية . فقد كانت حياته رحمه الله مراحل من الكفاح في سبيل شرح تعاليم الإسلام وإحياء الإيمان .. وكان لكل مرحلة ظروفها ومناخها وقانونها الذى يحدد أولوياتها ..
 فى المرحلة الاولى من جهاده حاول النورسى خدمة الاسلام عن طريق الخوض فى بحار السياسة.. كان يسبح ضد التيار ويحاول صد هذه التيارات  المعادية للاسلام أحيانا عن طريق العمل السياسى .. قابل السلطان عبد الحميد و نصحه و انتقد حاشيته وكسب عداء الحاشية ، وقابل وزير الامن وتحدث معه ورفض الرشوة التى قدمها اليه، وحاول بعد لقائه بأتاورك ان يلفت نظره الى أهمية الصلاة والايمان ولكنه فوجئ برد فعل الرجل..لقد اعتبر حديثه عن الصلاة تضييعا للوقت فيما لا فائدة فيه. وكتب المقالات السياسية فى الجرائد والمجلات،وحاول التاثير فى رجال الاتحاد والترقى لدفعهم الى الجانب الاسلامي ؛ كما حاول فى أنقرة التأثير فى أعضاء مجلس النواب وإثراء الجانب الاسلامي فيهم ، وخلال كل ذلك تعرض النورسى للقبض والتحقيق والمحاكمة والنفي اكثر من مرة.. بل إن ثلث الأيام التي عاشها على الأرض كان مسجونا فيها او منفيا او قيد المحاكمة..!!
ومع مرور الوقت ؛ آتت التجارب أُكلها ؛ وأدرك سعيد النورسى استحالة خدمة الاسلام بالدخول فى معترك السياسة ودهاليزها المظلمة والاشتراك في صراعاتها المتقلبة العقيمة.. وهكذا طلّق سعيد النورسى الحياة السياسية ثلاثاً . وقال كلمته الشهيرة : " اعوذبالله من الشيطان والسياسة " !!!
وهكذا أدار الشيخ الجليل ظهره لعالم السياسة ؛ واعتبر انفصاله عن السياسة ميلاده الجديد ؛ فكان يطلق على نفسه في تلك الفترة اسم " سعيد القديم " ؛ وكتب يقول عن نفسه: " لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات، لعله يخدم الدين والعلم عن طريقها، ولكن محاولته ذهبت أدراج الرياح..لماذا..؟ لأن أغلب ما في السياسة خداع وأكاذيب، وهناك احتمال أن يكون السياسى آلة بيد الآجنبى دون أن يشعر.. !! ".                                         
ولعل هذه التجربة النورانية الروحانية التي خاضها هذا الشيخ التركي الجليل ؛ احد أسباب نجاح تجربة " المتصوفة " في تركيا للوصول إلى الحكم . فقد نجحت تجربة الإسلام السياسي في تركيا بسبب عدم إقحام الإسلام في العمل السياسي بشكل مباشر ؛ والإبقاء على التصوف أساساً لضخ روح القيم والأخلاق الإسلامية في المجتمع ؛ وتجنب الزج بالتصوف الإسلامي إلى الممارسة السياسية ؛ والحفاظ على حتمية بقاء التصوف مُحركاً ولا يتحرك ؛ لأنه إن اندمج في العمل السياسي ضاع وتبدد !!
والمفارقة ؛؛ ان كافة القوى الإسلامية في مصر وعلى رأسها جماعة الإخوان تتشدق بنجاح التجربة التركية ؛ حيث يُظاهر الإسلاميون على القوى الوطنية بالنموذج التركي البعيد كل البعد عن فهم وتصور وأداء القوى الإسلامية في مصر !! 
ألا يذكركم هذا التباهي المُستعار ؛ بتلك الصلعاء -الشهيرة في المثل المصري الشعبي - التي تتباهى بشعر إبنة اختها !!


0 تعليقات:

إرسال تعليق