دكتور عادل عامر
أن مبدأ استقلال السلطة القضائية، يحول بين أن ترتد هذه السلطة على أعقابها ، لا بقوة السلطة التنفيذية ولا بانحراف السلطة التشريعية ، ولا تميل عن الحق إغواء أو تهديدا أو تحاملا أو ممالأة أو تخاذلا ، وإنما تكون كلمتها هي الحق ترعاه بعزتها وبعلو مرتبتها، وبثقتها بنفسها، وبقدرتها على تأهيل أعضائها وتدريبهم ، فلا ينعزلون عن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا يدلون بكلمتهم إلا دعما للضعفاء الذين مال الحق عنهم عتوا من الأقوياء عليهم . وتلك مهمة جليلة ليس للسلطة القضائية من بديل عنها، مادامت شرائط وضمانات استقلالها وفق المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية ، التزاما صارما تلتزم باحترامه وحمايته كل مؤسسات وأجهزة الدولة
إن الهجوم الذي تعرض له القضاء في مصر عام 2012 يعد الأخطر منذ ستون عاما والأكثر تأثير على سير العدالة في مصر ، وقد يؤدي إلى انهيار دولة القانون بشكل يصعب تداركه في تلك المرحلة .
فقد أصدر الرئيس محمد مرسي قرارا جمهوريا اليوم بإنشاء هيئة استشارية قانونية تختص بإبداء الرأي في المسائل الدستورية والقانونية التي يحيلها إليها، وتضم في عضويتها ستة عشر مستشارا بينهم أعضاء في الهيئات القضائية المُختلفة وأساتذة جامعات ومحامون.
1. المستشار الدكتور محمد عبد الحميد مسعود 2. المستشار محمد مصطفى الكناني ماضي
3. المستشار مصطفى إبراهيم حامد جمعة 4. الدكتور أحمد أبو الوفا محمد حسن
5. الدكتور حازم محمد متولي عتلم 6. الدكتور محمد باهي محمد أبو يونس
7. المستشار منير عبد القدوس عبد الله عبد الجواد 8. الدكتور محمد جمال عثمان جبريل
9. الدكتور ياسر أحمد كامل الصيرفي 10.الأستاذ عبد المنعم عبد المقصود متولي
11.المستشار إبراهيم عبد المنعم محمد محمد 12.المستشار عوض محمد موسى محمد
13.المستشار طلعت محمد كمال محمود 14.المستشار رضا عطية علي سعفان
15.المستشار أسامة عبد اللطيف الطاهر خليل 16.المستشار محمد محمود إبراهيم دسوقي دياب
ونص القرار على تشكيل مكتب فني للهيئة يختص بدراسة وبحث الموضوعات التي تحال إليه من الهيئة وإعداد تقارير بشأنها،
أن مَنْ يظن أن الإخوان المتأسلمين لا يستفيدون من أخطائهم مخطئ، و هم يستفيدون جيداً، وقد تجلت هذه الاستفادة في تشكيل اللجنة الاستشارية القانونية، وذلك من نواحٍ ثلاث،
الأولى: جعل فريق العمل القانوني مكوناً من عدد كبير نسبياً، ويمنع من تعسف الفكر الواحد للعمل القانوني المراد طبخه في المؤسسة الرئاسية على الطريقة الاخوانية؛
والناحية الثانية أن اللجنة تم تطعيمها بأساتذة قانون - بعضهم وليس كلهم - مشهود لهم بالعلم القانوني الغزير والموضوعية؛
والناحية الثالثة أن قرار تشكيل هذه اللجنة فرض التزاما بالصمت على أعضائها.
أن إعادة تشكيل هذه اللجنة جاء بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به الهيئة الاستشارية للرئاسة السابقة، أو المتآكلة، والتي كانت تضم نائباً لرئيس الجمهورية، بالإضافة لأربعة مساعدين للرئيس، وسبعة عشر مستشارا؛ أن الهيئة السابقة قد تآكلت بعد أن فر منها أغلب أعضائها.
أن حرص رئاسة الجمهورية على إنشاء مثل هذه الهيئة يعبر عن عدم الثقة في أجهزة الدولة الأخرى التي تقوم بذات الدور مثل «إدارة التشريع في وزارة العدل وقسم التشريع في مجلس الدولة»؛ وكأن الرئاسة تسير في نفس النهج الذي تسير فيه التيارات المتأسلمة التي تريد أن تجعل هناك دولة موازية للدولة القائمة.
أن اللجنة المذكورة المسماة تسمية مشكوك في دستوريتها وقانونيتها «بالهيئة الاستشارية الدستورية القانونية»، لا ترتفع قامات أغلبها (إن لم يكن كلها) لمستشاري أنظمة الحكم السابقة على حكم الإخوان المسلمين؛ فأين هؤلاء من قامة الفقيه القانوني الكبير السنهوري المستشار القانوني لثوار ثورة 1952 وأين هم من قامة «دكتور محمد كامل ليلة، دكتور رفعت المحجوب، ودكتور صوفي أبو طالب في عهد السادات؛ وأين هم من قامة دكتور أحمد فتحي سرور، ودكتور مفيد شهاب، ودكتور عبد الأحد جمال الدين، ودكتور رمزي الشاعر، ودكتور أحمد سلامة، ودكتورة فوزية عبد الستار، وغيرهم من قامات القانون في مصر ما قبل عهد الإخوان المتأسلمين.
الأدهى من كل ما تقدم أن إنشاء هيئة قانونية جديدة بموجب قرار جمهوري يصطدم صراحة مع نصوص الدستور الجديد؛ وخاصة المادة 361 من هذا الدستور التي تنص على (يصدر رئيس مجلس الوزراء اللوائح اللازمة لإنشاء المرافق والمصالح العامة وتنظيمها بعد موافقة مجلس الوزراء. فإذا رتب ذلك أعباء جديدة على الموازنة العامة للدولة، وجب موافقة مجلس النواب)، لأن تسمية (لجنة) قانونية باسم (هيئة)، وعمل هيكل وظيفي جديد لها من إداريين وفنيين، هو مما يدخل في اختصاص رئيس الوزراء؛
أن صدور هذا القرار الجمهوري هو والعدم سواء؛ لأنه انتزاع لسلطة رئيس الوزراء؛ وهو بهذه المثابة يمثل سقطة قانونية لمستشاري الرئيس الذين أشاروا عليه بتضخيم اسم (لجنة قانونية) ونفخها لتكون (هيئة)، ذلك لا ينال من ذلك أن يذكر القرار الجمهوري في ديباجته أن (مُصدره) أي رئيس الجمهورية، قد أطلع على قرار رئيس الجمهورية رقم 37 لسنة 1989 بتشكيل رئاسة الجمهورية، لأن هذا القرار الأخير كان صادراً في ظل دستور 1971 الذي كان يوسع من سلطات رئيس الجمهورية التشريعية ؛ ولم تكن بهذا الدستور نصاً مقابلاً لنص المادة 163 التي أستحدثها الدستور الحالي. نجد أن اللجنة تم تطعيمها بأساتذة قانون - بعضهم وليس كلهم - مشهود لهم بالعلم القانوني والموضوعية؛ إذ نجد اللجنة تضم 16 عضواً (5 أعضاء هيئة تدريس بالجامعة) و10 مستشارين بالقضاء؛ ومحامٍ واحد، وهو ما يعنى أن الهيئة تضم مجموعة من الأولين وقليل من الآخرين وكان الفريق الرئاسي الأول الذي استقال أغلب أعضائه قد ضم شخصيات كانت تُفرض فرضاً في أي موضوع عام، كأن مصر أجدبت ولم تنجب إلا هؤلاء؛ فمن ضمن هذا الفريق (نفر) تجده في اللجنة التأسيسية للدستور الأولى المقضي ببطلانها؛ والثانية التي كانت سيقضى ببطلانها لولا محاصرة المحكمة الدستورية العليا بفعل فاعل (همجي وفوضوي) ويريد العودة بالبلاد إلى عصر ما قبل الدولة؛ كما تجده ضمن المعينين في مجلس الشورى؛ و(نفر) آخر من هذا الفريق هو عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ومستشار قانوني لجماعة الإخوان المسلمين ومحام، وهذا المحامى جاء اسمه - في قرار الهيئة المذكور - رقم 1 سابقا على (ستة) من القضاة والمستشارين، وكأنه أعلى منهم مرتبة، فكيف لهؤلاء القضاء أن يقبلوا أن يأتي اسم هذا المحامى سابقا عليهم، ولعل هو فعلاً أقدم منهم في حبه لجماعة الإخوان المتأسلمين أو انضمامه لها. أما القليل من الآخرين الذين ينضمون للهيئة الاستشارية المذكورة فبعضهم من الأسماء اللامعة في مجالها وتخصصها، وإن لم تكن معروفة للعامة، مثل الدكتور أحمد أبو الوفا، والدكتور محمد باهى محمد يونس؛ ولقد شارك هذا الأخير - بحسن نية أو بسوئها الله أعلم - فى وضع التعديلات الدستورية التعيسة. الالتزام بالصمت أما من الناحية الثالثة (الالتزام بالصمت) فنجد أن هذا الالتزام المفروض على أعضاء الهيئة المذكورة؛ محل نظر، إذ أن المادة التاسعة من القرار الجمهوري المنشئ لهذه الهيئة الاستشارية تنص على أنه (يمتنع على أعضاء الهيئة ومكتبها الفني الإعلان عن أعمالها وما أعدته من دراسات وأبحاث وآراء وتوصيات بأي وسيلة من الوسائل هل الالتزام بالصمت على أعضاء الهيئة المذكورة سيكون في جميع الأحوال حتى لو أضر ذلك بالمصالح العليا للبلاد أم لا؟، وقال: لاشك في أن مثل هذا الصمت سيكون مثل (صمت الخرفان) الذي تسير وراء شخص أو جهة أو جماعة دون وعى أو دراية أن هذا ما سيكشف عنه مستقبل هذه الهيئة القانونية التعيسة. للأسف الشديد من بعد إن هاج وماج وطلب أعضاء السلطات القضائية المصرية أن يكون ندب القاضي في الجهاز الإداري وهيئاته المختلفة ندبا كليا فاستجاب لهم الدستور الجديد حتى يفصل بين ندب القاضي لجهة حكومية وحيدة إثناء جلوسه علي منصة القضاة ليحكم بالعدل وبخاصة عندما تأتي إلية قضية ضد مصلحة منتدبا إليها ومن اجل استقلال القضاة استقلالا تاما وحياديا استجاب الدستور الجديد وجعل القضاة لا يندب انتدابا جزئيا بل كليا وفق نص المادة رقم 170 ( القضاة مستقلون، غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات. ويحدد القانون شروط وإجراءات تعيينهم، وينظم مساءلتهم تأديبيا ولا يجوز ندبهم إلا ندابا كاملا، وللجهات وفى الأعمال التي يحددها القانون؛ وذلك كله بما يحفظ استقلال القضاء وانجاز أعماله.) فكيف يقبل عشرة من خيرة قضاة مصر مشاركه رئيس الجمهورية في مخالفة هذا النص للدستور ويتم مشاركتهم ندبا جزئيا في هذه الهيئة القضائية الاستشارية
إن العمل الحقيقي لمبدأي سيادة القانون واستقلال القضاء ، والإصلاح المؤسسي للقضاء وفق مناهج الإصلاح المؤسسي المتعارف عليها في إطار برامج العدالة الانتقالية ، ضرورات ملحة وداعمة للإصلاح السياسي، و لحماية الحقوق والحريات العامة في مصر في هذه الآونة ، ولترسيخ الممارسة الديمقراطية الصحيحة، ومكافحة الفساد ، والتنمية البشرية ، وقيام علاقات دولية متوازنة في إطار من التكافؤ و الاحترام المتبادل .

0 تعليقات:
إرسال تعليق