ان الشاعر قد منح - بلاشك- موهبة من الله تعالى وزاد هذه الموهبة بالالهام فهو يستطيع مالا يستطيعه الاخرون وتتارجح موهبته بين الالهام والامكانية او المقدرة على تنسيق الاحرف او مخارج الكلام بحيث يستطيع الايتاء بكلام لا يستطيعه غيره . لذا فالشاعر تولد من فمه اللغة أي يتعلم منه الاخرون ومن اللغة تولد كل الاشياء كما قيل قديما
أن مصدر الشاعر هو الإلهام ومصدره إلهي محض اوجد في طبيعة الشاعر وغرس في نفسيته عند التكوين قبل الولادة وقد قرن الشاعر بالأنبياء والرسل وبالعرافين كما جاء في التعبير الافلاطوني القديم
والشعراء اثنان مطبوع وهو من اعتاد بالإلهام والموهبة والقريحة الايحاء في الشعر والاخر من جاء بالشعر بالاكتساب أي بالصنعة والتعلم، لذا فأن مقدرة الشاعر على قول الشعر في شيء ما تختلف عن مقدرة المرء على شرح نفس الشيء شرحا عقليا فالشعر ليس هدفه الشروح العملية او العلمية لذا فالقصيدة لا يجب أن تعني بل يجب ان تكون . ومن خلال كينونتها نتعرف على شخصية القائل وقد تحدث عن هاتين الحالتين الشاعر العربي المهجري جبرا ن خليل جبرا ن حيث قال ( أن الشعراء أثنان ذكي ذو ذاتية مقتبسة وملهم كان ذاتا قبل أن يصير بشراً ، والفرق بين الذكاء والإلهام في الشعر، هو الفرق بين أظافر محددة تحك الجلود المريضة ، وشفاه أثيرية تقبل القروح فتشفيها ) ولو ان هذه العبارة المفروض ان يعبر عنها بافضل منها فالاظافر التي تحك الجلود الجرباء نعبر عنها بالاقوال النابية غير المتوازنة اما عندي فالشاعر الملهم هو من ياتي بالشعر المطبوع مثل الشذى الاخاذ الذي ينطلق كاشعة الشمس او شذى الورود فتحمله النسائم الرقراقة الى حيث يرغب فمصدره جميل وروعته اجمل او هو سلسبيل مياه باردة تجرى فوق سطحها زرود من اقاح. اما الشاعر المكتسب شعره بالتعلم والصنعة فهو كمن ينحت في في تراب وكأني اراه كلما تكامل نحته تهدم جانب منه فشتان بين هذا وذاك .
فالشاعر من ألهم قول الشعر واستطاع ان يستخدم مشاعره وبراعته الشعرية في سبر اغوار النفس الانسانية و يطلع على ما في قلب هذا الكائن العجيب بصدق والتعرف على ادق خلجات فؤاده وينساب مع روحه ويجري في عروقه ليسبر اغوار نفسه وليكشف امكاناته الطبيعية ومصيره الاجتماعي والنفسي واحلامه المستقبلية وطاقته ومواقفه الانسانية ويعرف كل مقومات حياته وسعادته في الحاضر والمستقبل .
فالشاعر يمثله شعره الذي بالنسبة اليه ادراك الكليات او الامورالتي يدركها فشعر الشاعر هو ذلك اللهب المنبعث من فؤاده فيدفئ به الاخرون ونسيم رائق يستنشقه القارئون ويتميز بما يكون شعره حسنا او خلاف ذلك حقيقيا في حين يتمكن بمقدرته من محاكاة ومناجاة الاشياء بالحروف اللغوية او مقاطع العبارات المكونة من كلمات وجمل في ظل القصيدة الشعرية لتاتي انسيابيتها متوازية مع فنونها المختلفة في البلاغة والبيان أي ان اللغة تكون منسجمة مع الالهام الشعري في الصور الشعرية والمقاطع الشعرية التي يستلهمها الشاعر في ذاته ودواخل نفسه ثم يستردها على لسانه او في كتابته شعرا ناضجا لا تشوبه شائبه ولا افتعال ينبع من عين كانه النطاف الخالص والسلسبيل الجاري رويدا رويدا او ياتي غاضبا هادرا كانه البحر الهائج وخاصة في القصائد الثورية ذات المغزى الوطني فيقف الشاعر خطيبا ليعبر عما في دواخله وخوالجه ازاء بلده وامته وخاصة اذا علمنا ان هذه الامة قد لحقها حيف من الامم الاخرى فيكون الشاعرفي موقع الدفاع المفضي - ربما - الى الاستشاد وبذل الارواح او الانفس
واستطيع القول ان شاعر قصيدة النثر لايقل عن اخيه شاعر القصيدة العمودية في هذا المجال الاانه يجب ان يتنازل عن بعض غموض قصيدته وهو يخاطب الاخرين ليفهموه مبا شرة لا ان يفهموا رموزه وحكاياته الموغلة في القدم او بمعنى الاخر ان يقول ما يفهمه المخاطبين
ان القصائد ليست بسطوحها وانما بما تمخضت عنه وما تراءت اليه هذه السطوح او الشعرية المتسقة والمعبرة عما يخالج نفس الشاعر وقدرته في التاثير في نفوس الاخرين فروح الشاعر تنبعث منها القصيدة بما توضحه الصورة الشعرية كانما تتجوهر فيها الطقوس والتقاليد فيحدق فيها لتبحث عما توضحه في صورة اجمل . لذا تكون اهمية هذا الشاعر بما يحمله في نفسه من تعبير عن طويته الساكنة وموهبته الاصيلة و مقدرته المكتسبة من خلال تفحص ذاته الخفية وعبقريته الملهمة تلك التي يتجلى فيها حبه للاخرين بكل مافيه من نار او قبس من نور وتلمس جراحاته التي قد تكون دامية او تاتي باردة كالثلج .
ومهما كانت مهمة الشاعر فقد تكون في الكشف عن غاية الوجود كشفاً إنسانياً محرراً، فأعماله الشعرية يمسح بوجهها الحالة التي يمر بها وهو في الهامه يشعر كسحابة من السعادة او من الحزن العميق الشامخ في أحيان اخرى ، لأن الشاعر ذلك الباحث الدائم عن السر قد يعود مبتئساً إذا ما استغلقت عليه نوايا الأشياء (تجربة الإنسان حين لا ترتبط بتفسير يكشف عن غائية الوجود وسرمديته لابد أن تقترن بإحساس الفقدان والضياع والألم، والقلق).
ويبدو أن قدر الشاعر – ربما - يعيش في قلق ويدفعه هذا القلق إلى التعبير والإبداع فالشاعر أحق الناس بالقلق وبالألم واقربهم اليه لأنه أكثر بحثاً عن الغاية في شعره، والبحث إحدى وظائف الشعر المهمة.. و التي قد تبحث عن التفسير الوجودي لتركيبة الحياة التي يكتنفها القلق وهي تجهد إلى أن تكون قوية مقبولة، تستحق الدوام والبقاء ويتدخل في ذلك الجمال الشعري، ليتواصل إلى هذا التفسير فيدفعه القلق المبدع اليه متجاوزاً مراحل التجربة البشرية العامة مستعيناً بالقدرة على الحدس اوملكة الإنسان الطبيعية المتراكمة عبر آلاف السنين وتعمقت بجدية لدى الشاعر المبدع خاصة حيث تغدو مرهفة نافذة بالكشف عند الشاعر المتأمل ومقتدرة ان تمنحه القوة عليها حيث استعان بالقدرة والامكانية والموهبة على تفهم الأشياء.
ولعل الشاعر في بحثه عن الافضل يحاول ان يخلق إيقاعا متميزا ً يتوازن مع ما يعتمل في دواخل نفسه ويتحرك بمقدرته ، مع إيقاع بديع لهذا العالم المضطرب لا ينساق خلفه لاهثا بل يواجهه بموهبته ويعيد بناءه بالهامه بحيث تكون الترنيمة الإيقاعية الجديدة التي تتكون منها القصيدة المعبرة عن ملامح العالم المحيط به في الظاهر وسبر اغواره من الداخل فتعيد ترتيبه من جديد وفقا لما يشعر و في صورة اجمل واحسن .
و استطيع ان اثبت ان كل نتاج أدبي لابد ان ينطوي على طاقة رمزية أو مجموعة من الأفكار الرمزية التي تتخفى خلف الكلمات خاصة في الادب الحديث او المعاصر تبعا لظروف التقدم والحاجة اليه ، لان كل ننتاج أدبي يتضمن خطابا رمزيا وبتعبير اخر جهد تعبيري تحتش فيه الدلالات الرمزيةو التي ربما قد تتفاوت حيوية او فردية بين شاعر و آخر
الشاعر المعاصر لجأ إلى استخدام الرمزية وربما ما ل الى الاسطورة فينهل منها فيتنكشف اليه عناصر الثراء المادي والروحي المؤثرة في النفس أي الإفصاح عما تتضمنه الأساطير من قيم روحية وتجارب إنسانية خالدة تثري العمل الأدبي وتزيد من امانية النص الشعري التعبيرية على عوالم جديدة وتمنحه طابعا مميزا في باب المعارف الإنسانية ،فتميزه هذه عن الفلسفة والعلمية وعن العلم التجريبي .
ولعل وقائع او الاحداث التي رافقت هذا العصر و المتعاقبة فيه ربما أسهمت في كثير من الاحيان في اختلال القيم والمعايير الإنسانية ،و كانت السبب المباشر الذي دفع بالشاعر المعاصر الاهتمام بالمعطيات الموضوعية والفنية لهذه الأسطورة ليهرب من واقعه المرير إلى عوالم اخرى قد تسودها المثالية ويحلق فيه الخيال الجانح نحو الارتقاء والتمكن ،فيبني الشاعر عالمه الخاص به والذي يملأ عليه فراغات من ذاته المكبوتة وقد طفق الشاعر المعاصر ،نتيجة للمتغيرات السياسية والأحداث المأساوية التي شهدها العصر الحديث يتلمس او يتفهم المقومات القادرة على الإفصاح عن رؤيته الإنسانية الشاملة إلى أبناء وطنه او انسانيته وقد تكون هذه الأسطورة اوتلك خير وسيلة للتعبير عن النوازع النفسية والحوافز الداخلية عنده او تعبر عن الاخر ينم ربما جاءت لتعبر عن تجسيد للتوق الإنساني الشديد وشكله الخيالي المناسب لهذا التعبير ،لذلك أصبحت هذه الفكرة او الاسطورة من أهم احداث القصيدة الحديثة التي عبأ الشاعر فيها هواجسه وارؤاه وأفكاره و تجربته الشعرية بدءا من مستواها الذاتي إلى المستوى الارقى لتمثل بواسطتها الواقع الإنساني في هذا العصر بصورة عامة.
ان دواوين الشعراء وخاصة المعاصرين منهم لتجد فيها او ترصد فيها أنماطا متعددة من الرموز والأساطير التاريخية على مر العصور ،فقد أولى عدد منهم اهتماما واضحا بالأساطير البابلية والآشورية والسومرية او الفرعونية او الامازغية التي قد ترتبط بأحداث تميزت بالقدرة على إظهار إحداث العجائب والخوارق ،واوجدت شكلية جديدة للشعر المعاصر و عاملا مهما من عوامل التحفيز والإثارة وجسدت بشكل حيوي في أنشطة هذا الإنسان منذ القدم في الوقت الحاضر او بمعنى اخر غيرت اسطوريته الى واقع حاضر ليستلهم منها كل جديد اذن فالأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الشاعر المعاصر خلاصة فكره وجديد عواطفه ونزعاته ، واستطيع ان اقول ان هذه الأساطير تمثل ما تبلور في أذهان الانسان القديم في العراق ومصر واليونان والرومان والفرس وغيرهم من الاقوام القديمة ذات التاريخ العتيد والثقافة الرفيعة من قصص وحكايات أسطورية فعبرا لشاعر في تصويره الشعري لخلق العالم من جديد ،ولوجود الإنسان على الأرض ،ومصيره المجهول وما يحيط به من مظاهر الكون والطبيعة وتساؤلات واسعة او ربما تكون في بعض الاحيان غامضة يتكهن الاجابة عليها وربما تفلت منه فتبقى سرا سرمديا .

0 تعليقات:
إرسال تعليق