بقلم/
عبدالحميد شومان
فرضت أحداث مدينة الخصوص التابعة لمحافظة القليوبية نفسها على
وسائل الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية. ولعل المتابع لقنوات الإعلام المختلفة
يكتشف وبسهولة تضارب الأقوال ونقص المعلومات المتعلقة بالحادث، فمن يقول أن بعض المواطنين المسيحيين رسموا علامة الصليب على جدار معهد ديني
بالمنطقة مما أثار استياء وغضب المواطنين المسلمين، ومن يقول أن المسألة لها خلفية
قديمة نوعاً ما تتعلق بتحرش بعض الشباب بإحدى الفتيات "المسيحيات"!!ومع كل فقد أخذت الأحداث مجراها السيئة، وتصاعدت بشكل غير مبرر غاب عنه صوت العقل، حيث وقعت اشتباكات أدت إلى سقوط قتلى ومصابين، وتطورت الأحداث بصورة أكبر، وكانت صلاة الجناز داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وما أعقبها من اشتباكات بين مواطنين مسيحيين ومواطنين مسلمين شهدت إطلاق نار وخرطوش، وإلقاء الحجارة على الكاتدرائية حيث المقر البابوي، مع مقاومة البعض من داخل الكاتدرائية بإلقاء حجارة على الموجودين بالخارج، وأيضاً سقوط قتلى ومصابين!!
ويبدو أن البعض لا يدرك مكانة الكنيسة المرقسية بالعباسية، المعروفة بأرض الأنبا رويس، تلك الكنيسة العريقة التي وضع أساسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومعه الإمبراطوار الإثيوبي هيلاسلاسي أثناء حبرية البابا كيرلس السادس (1959- 1971م)، ومع حبرية البابا شنودة الثالث (1971- 2012م) انتقل المقر البابوي من الكنيسة المرقسية بالأزبكية إلى منطقة العباسية. مما يؤكد أن الذين ألقوا الحجارة على الكنيسة المرقسية وحاصروها لا يعرفون ولا يدركون قيمة وأهمية هذا المكان، ليس فقط بالنسبة للمواطنين المسيحيين المصريين بل أيضاً للوطن مصر على المستويين المحلي والعالمي، ذلك أنها قبلة المسيحيين في مصر وأفريقيا وكل الشرق.
لقد كنت أتمنى أن يسلك المواطنون الغاضبون أو الرافضون لتصرفات البعض الآخر من شركاء الوطن، وأياً كان الانتماء الديني هنا، كنت أتمنى أن يسلكوا سبل القنوات الشرعية من أجل محاسبة المخطئ ومعاقبته وفقاً للطرق القانونية المعروفة.
ويقودنا الحديث عن الطرق القانونية المعروفة التي أدعو المواطنين المصريين لإتباعها إلى التأكيد على أهمية وضرورة ترسيخ دولة القانون، قولاً وعملاً، تلك الدولة التي تحترم القانون وتطبقه على جميع مواطنيها دون تفرقة أو تمييز، وهذه الدولة لن تتحقق إلا من خلال تفعيل القوانين ومحاسبة المخطئ، أياً كان، والعمل على إلغاء ظاهرة جلسات الصلح العرفية التي باتت تطل علينا بين الحين والآخر لتعطل عمل القانون، كما أنها لا تمثل رادعاً كافياً لكل من تسول له نفسه العبث بالقانون والإضرار بمصالح الوطن والإساءة إلى مواطنيه.
وعلى الجانب الآخر فإنه لابد من مواجهة دعاوى الفتنة وأفكار التطرف وتدعيم معاني المحبة والتسامح والتعاون والعمل المشترك من خلال مسئولية مشتركة لكافة مؤسسات المجتمع: الرسمية والمدنية، والتي تشمل المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والشبابية والأهلية.. الخ، من أجل بناء مصر الجديدة.. وطن ناهض، نامي ومستقر يتسع لكل أبنائه.
إنني أطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحمي بلادنا الحبيبة مصر ومواطنيها من كل سوء وأن يقيها شر الفتن. وأن يعطي صبراً وعزاءً لأسر الشهداء وأن ينعم بالشفاء على المصابين.
زين الكلام
يقول العلامة رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873م) ابن الأزهر الشريف: "ليكن الوطن محلاً للسعادة المشتركة بيننا نبنيه معاً بالحرية والفكر والمصنع".
وختاماً أقول لك ولنا الله يا مصر، وأبداً لن نفقد الأمل مادمنا على قيد الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق