Ads

فانديتا والثورة المصرية

نادية الطيب


طل علينا من صفحات التواصل الاجتماعي لكثير من النشطاء قناع " الفانديتا" بديلاً لصورهم الشخصية؛ بل هناك بعض الصفحات الثورية التى إتخذت لها مسمى بإسم هذا القناع مثل صفحة " فانديتا ميدان التحرير" والقناع يرمزـــــــ لشخص مبتسم له شارب ملتف لأعلى وله لحية صغيرة أسفل الفم ـــــــــ وتعود قصة القناع للفيلم الأجنبى'' V for Vendetta'' الذى أصبح سبباً في سجالات ثورية كثيرة بعد الدعوة لارتداء أقنعة ''فانديتا'' في ميدان التحرير تيمناً ببطل الفيلم الذي ثار ضد نظام ظالم مستبد مستتراً خلف قناع (في V) لإخفاء هويتة كثائر.
ويعبر القناع عن شخصية ''جاي فوكس'' الشهيرة في التاريخ الإنجليزي(Guy Fawkes) وهو شخصية حقيقية عاشت فى الفترة من 1570- 1606م فى مدينة يورك التى تبعد200 ميل عن لندن العاصمة؛ وكان أبواه يعملان في المحاماه وأسس (جاي) جماعة سرية أسماها جماعة البارود وخططوا لتفجير البرلمان وذلك بتخزين البارود في القبو ثم تفجيره لقلب النظام والإطاحة بالملك وتنصيب الأميرة (اليزابيث) ملكة على البلاد؛ وتم هذا المخطط بمساعدة الكنيسة الكاثوليكية ولكن محاولتهم باءت بالفشل وتم القبض على (فى V) وتعذيبه ثم إعدامه فى31 يناير1606م؛ وهناك تقليد سنوي في الخامس من نوفمبر من كل عام في بريطانيا للإحتفال بفشل مخطط (جاي فوكس) ويسمى بليلة (البون فاير).
وتعني كلمة فانديتا باللاتينية ''الإنتقام'' والمعنى يتفق مع دعوات المتظاهرين الشيوعيين أو الاشتراكيين الثوريين؛ واستعار المتظاهرين ـــــ رمزية القناع ـــــــ تعبيراً عن رفضهم للبرلمان فى 2011م فى نفس اليوم الذى أعلن فيه (د.محمد البرادعى) المنسحب من سباق الرئاسة رفضه للبرلمان بعد أن أصدر مكتبه بيان يدعو فيه مجلس الشعب بإنتخاب رئيس مؤقت للجمهورية من بين أعضائه؛ ثم يُجرى وضع الدستور وبعده يُحل المجلس وينتخب مجلس شعب آخر ذو كفاءة.
وأصبح القناع حاضراً في عدة مظاهرات حول العالم منها حركة ''إحتلوا وول ستريت'' و إرتداه بعض النواب فى بولندا؛ وظهر "جوليان أسانج" مؤسس موقع ''ويكيليكس '' في لندن مرتدياً القناع تعبيراً عن حق الثوار في إخفاء هويتهم.
ويلجأ الثوار لإخفاء هويتهم الحقيقية ممايعطيهم قدراً أكبر من الحرية فى ممارسات ثورية لايستطيعوا الإتيان بها وهويتهم معلومة؛ وقناع "فانديتا" يمثل الظلم الواقع على الإنسان والتخفى لدفع الظلم والإنتقام ممن ظلموه .
ولقد ألهمت شخصية (جاى فوكس) المخرجين لتأليف سلسلة أفلام تحمل إسم ''V for Vendetta '' التي إنتقدت الأساليب القمعية لحكومة (مارغريت ثاتشر) في الثمانينات من القرن العشرين.
أحداث الفيلم والثورة المصرية
فانديتا V for Vendetta)) هو فيلم أمريكي بنكهة واقعية إنتاج 2006م وإخراجJames McTeigue إقتباس وتأليف آلن مور وتدور أحداثه فى المستقبل عام 2038م؛ حيث تصبح بريطانيا دولة شمولية مستبدة أو دولة الحزب الأوحد فترفض المعارضة ؛ وفى تلك الأثناء يصل أحد الأحزاب المتطرفة إلى السلطة يُدعمه فى ذلك شعبيته الكبيرة؛ وبدوره يبدأ فى قمع المعارضة وإرهاب الكتلة الموالية للحزب (إضرب المربوط يخاف السايب)؛ حتى لا تتبنى مبادئ المعارضة وذلك بممارسة الأعمال الإرهابية؛ التي يخططها ثم يلفقها لمعارضيه ليثبت للشعب أن البلد مستهدفة فيخضعوا خائفين من رحيله وبهذا يوطد أركان حكمه المستبد.
ثم يظهر شخص مجهول تعرض لعمليات تعذيب على أيادي النظام فيحاربه للإنتقام من أركان حكمه؛ تلك الأركان التى كانت دائماً أدوات يبث بها الكذب بين الناس وقياداتها من المستفيدين وأصحاب إستثمارات تدر المليارات؛ وبعد القضاء عليهم سعى لتفجير قصر الحاكم وهذا الشخص هوــــــــــ (في V) أو فانديتا Vendetta ــــــــــ ويظل البطل مرتديا قناع شخصية (جاي فوكس) طوال الأحداث وفى نهاية الفيلم يرتدي القناع كل الثوار الذين أدركوا حقيقة من يحكمونهم فيخرجوا فى ثورة تهز البلاد.
ويتبين الشبه الكبير بين أحداث الفيلم والثورة المصرية مع حذف شخصية (فىV ) من الأحداث مع أنها كانت حاضرة بالفعل فى الثورة ولكن فى صور أخرى؛ وبقراءة سريعة لبعض الأحداث فى مصر قبل 25 يناير ومقارنتها ببعض مشاهد الفيلم نلاحظ أنها تتشابه فى: 
1. ترويع المواطنين لتوطيد أركان الحكم 
منذ سنوات حذرت الحكومة المصرية من انتشار وباء أنفلونزا الطيور وأثارت حالة من الهلع بين المواطنين؛ أدت إلى تدمير ثروة تقدر بالمليارات من حرق المزارع الداجنة وإخلاءها في ذلك الوقت. وإمتلأت الصحف بحالات فى مستشفيات الصدر مع أن آلاف البسطاء كانوا يموتون سنوياً داخل تلك المستشفيات فى السابق دون ضجة تذكر؛ الأمر الذي دفع الناس للتخلص من الدواجن وقدم التلفزيون البديل من خلال حملة لتسويق الدجاج المجمد المستورد لتتضخم ثروات رجال الأعمال ولم يكن المرض بهذه الخطورة؛ ثم بدأ النظام يروج لأنفلونزا الخنازير التى ثبت فيما بعد ضعف هذا الفيروس وأنه يستجيب للمضادات الحيوية العادية؛ عدا بعض الحالات النادرة التى تتطلب مضادات حيوية أقوى قليلاً؛ بالإضافة للترويج للفتن الطائفية كتفجير كنيسة القدسيين......إلخ وتناول الفيلم هذه الجزئية من خلال الوباء الذى نشره النظام بتلويث مصادر المياه واتهم فيه المعارضة ليضرب عصفورين بحجر؛ أولاً يرهب الشعب ويؤكد لهم أن الأمن والأمان يتوفر من خلاله فقط؛ وثانياً القضاء على المعارضة وإرهاب ماتبقى منهم ليتراجعوا عن مطالبهم. 
وقبل ثورة 25 يناير كان النظام دائماً يردد أن البلد مستهدفة من الجماعات المحظورة ـــــــ ولقد كان صادقاً إلى حد كبيرــــــ ليحصل على الشرعية من خوف الناس؛ ليفعل مع معارضيه مايشاء بإستخدام جهاز أمن الدولة...وتناول الفيلم الفكرة ذاتها بالتعذيب فى المختبرات المعملية واستخدام المعارضون كفئران تجارب وإنتهاك آدميتهم كلياً؛ كما أستخدم نظام أسماه "فنجرمن" وهو شديد الشبه بالنظام الأمني فى مصر.
2. الكذب هو الطريق لتجنب غضب الجماهير. 
كانت وسائل الإعلام الحكومية دائماً تلعب دوراً محورياً فى ترويج الشائعات والكذب وظهر ذلك جلياً فى تغطية أحداث الثورة, مما أفقدها المصداقية فكانت القنوات الفضائية صاحبة السبق لحقيقة كاملة؛ وتناولت أحداث الفيلم الكذب عن طريق وكلات الأنباء التي نقلت وفاة (في V) وحينما ظهر من جديد على مسرح الأحداث أصرت هذه الوكالات على الكذب والتضليل ليضجر منها المواطنون فى نهاية الفيلم؛ ولعب الإنترنت دوراً كبيراً فى نقل المعلومات وتوثيق مشاهد التعذيب والإنتهاكات التي قام بها النظام وأصبح نقل المعلومة يتم فى دقائق معدودة ولعل أبرزها تزوير إنتخابات مجلسي الشعب والشورى 2010م؛ مما زاد من إحتقان الجماهير وأصبح التمنى لمستقبل أفضل لمصر ضرباً من ضروب الخيال... وتطرق الفيلم عن طريق شخصية البطل (في V) الذى سيطر على الاذاعة المحلية وعرض فيديو على المواطنين جعلهم يراجعون أنفسهم تجاه النظام الحاكم. 
3. انتظر حدوث الحماقة من النظام القمعي فبعدها تنفجر الأحداث
خالد سعيد ذالك الشاب الذى تم سحله وقتله أمام أعين المواطنين وتشويه سمعته وإتهامه بتعاطى مخدرات البانجوالتى إدعى النظام بأنها أودت بحياته؛ ليُكتشف بعد ذلك أن سبب الوفاة إسفكسيا الخنق ضاربين عرض الحائط بصورته التي كانت تنطق بأن وفاته نتيجه لتعذيب مفرط؛ لكن الحماية المفرطة من النظام لأدواته هي الحماقة الكبري التي إرتكبها؛ وكان لها الأثر الكبير فى زيادة الإحتقان الذى تسبب فى تفجير الثورة بعد ذلك...وتناول الفيلم هذه الأحداث حينما قام أحد أدوات النظام بإطلاق النار على طفلة ترتدى قناع فانديتا وهي تقوم بالكتابة ضد النظام على أحد الحوائط؛ إعتقاداً منه أنها (في V) فأنفجر المواطنين غضباً وبدأت أحداث الثورة فى التصاعد.
وفى نهاية الفيلم نرى صورة رمزية تعبر عن واقع مصر بعد وصول (الإخوان المسلمين) للحكم حيث يُطلق النظام الرصاص بكثافة على (فى V) دون أن يؤدى ذلك لوفاته؛ مما يؤدى لإستفزاز وغضب النظام ويعبر عن ذلك قائلاً ـــــــــــ ألا تموت أبداً ــــــــــــ فيرد (فى (Vقائلاً ـــــــ لا يوجد خلف القناع لحم ودم بل فكرة والأفكار لا تموت أبداً ــــــــــ
وتنطبق تلك الرمزية على واقع الثورة المصرية فبعد عامين من إنطلاقها فى 2011م وحتى وصول الإسلاميين لسُدة الحكم فمازالت الثورة مستمرة ؛ والقارئ لتاريخ الثورات فى العالم يعلم أنها تمر بمراحل وسنون عدة لتثبيت دعائمها؛ وليس لدى المشكلة فى متى تستقر أو هل سيُمد الله فى عمرى لأجنى ثمار إستقرارها وأزهو بها مباهية العالم؛ بل ما يُعنينى حقاً أن أشاهدها وقد سلكت طريقاً صحيحاً تصل به إلى المجد؛ فكما رأيتها وليدة أمام عيناى ثم طفلة تحبو أولى خطواتها فى تلقائية شديدة تستمدها من رومانسية الثوار؛ تتعثر وتسقط لتقف من جديد عنيدة مشاكسة تعزف لنا معزوفة رائعة فى الإصرار وحب البقاء؛ أتمنى أن أراها وقد أستقرت على الطريق الصحيح بخسائر وضحايا أقل هذا جُل ماأتمناه فهل أُمنياتى مشروعة؟
-->

0 تعليقات:

إرسال تعليق