بقلم / المستشار طه حسين
لا أعرف من الذي أقنع الإسلاميين في مصر بأن الديمقراطية = الصندوق؟ بل إني لا أعرف إن كانوا مقتنعين أم أنهم لا يقتنعون بالديمقراطية أصلا، ولكنهم يرددون هذه الجملة باعتبارها الحل السحري لكل أزماتهم السياسية والمجتمعية؟
علينا ألا نفتش في النوايا، لكننا إزاء ظاهرة مستعصية، فكل الإسلاميين تقريبا، والإخوان تحديدا، يرددون جملة واحدة، بطبقة صوت واحد، بانفعال واحد: نحتكم للصندوق والشعب يختار ما يريد، أليست هذه هي الديمقراطية؟
حسنا، الإجابة هنا: أبدا، ليست هذه هي الديمقراطية؛ فالصندوق هو المرحلة الأخيرة من عملية متكاملة اسمها الديمقراطية، إنها تاج الرأس، وليست الرأس نفسه إن جاز التعبير.
لا يمكن إطلاقا الحديث عن صندوق دون ضوابط، تماما كما لا يمكننا قيادة السيارة باستخدام آلة القيادة وحدها دون موتور، هذه بديهيات ما زلنا على إعادة اكتشافها رغم أن العالم انتهى من ضبطها منذ عقود طويلة، وفي بعض البلدان منذ قرن وأكثر.
وأولى الضوابط لحدوث عملية تصويت هو تمكين السلطات المعروفة، والفصل بينها، بحيث تؤدي كل منها وظيفتها، ولا تجور على السلطات الأخرى، ولا يجوز بأية حال من الأحوال إجراء تصويت على إلغاء إحدى هذه السلطات، أو الانتقاص من قدرها وقدرتها، إن هذا يشبه التصويت في مدرسة بين طلابها على إلغاء الاختبارات.
وفي مسودة الدستور التي يريدون أن يستفتوا عليها الشعب هناك مواد كثيرة لا تصلح للاستفتاء عليها لأنها تقوض السلطة القضائية مثلا، أو لأنها تضيف سلطة رابعة لجهة لا تنتمي للسلطات المحددة.
لن أفتي هنا فتاوى قانونية، فأكون مثل من أرفضهم، لكن ما أعرفه أن الفقيه الدستوري إبراهيم درويش الذي شارك في كتابة دساتير أكثر من دولة، ومنها دول ذات أغلبية مسلمة كالكويت، قال إن 90 بالمئة من مواد مسودة الدستور غير دستورية، وهو لا ينفرد بهذا الرأي فمعظم القانونيين والدستوريين الذين أقرأ لهم يكادوا "يشدون شعرهم" من هذا الدستور الذي يرسب طالب في السنة الأولى لكلية الحقوق إذا أقرها. في حين أن معظم مؤيدي الدستور، من خارج اللجنة التأسيسية، ليسوا رجال قانون.
ومن الضوابط المهمة لأية عملية انتخابية هي تحديد سقف للإنفاق على الحملات، والالتزام بهذا السقف، ولا تهاون في هذه العملية، حتى تضمن أن تعبر الانتخابات عن إرادة الناخبين فعلا.
في الانتخابات الرئاسية الماضية مثلا، أنفق محمد مرسي وأحمد شفيق ما يزيد على 300 مليون جنيه لكل منهما، في حين كان السقف الذي حددته لجنة الانتخابات عشرة ملايين فقط لا غير، أي أن مرسي أنفق 3000% من المسموح به، ولا يمكن التعليل بأن منافسه أنفق مثلها، لأن هناك منافسين آخرين فقدوا فرصتهم لأنه لم يكن هناك تكافؤ للفرص.
وهذه النقطة بالتحديد تفسر لماذا يجيب الإسلاميون على كل الأسئلة بالاحتكام للصندوق، لأنهم يمتلكون أموالا تمكنهم دائما من حسم أية منافسة، وكلنا رأينا أكوام الطماطم وأنابيب البوتاجاز والزيت والسكر التي اكتسحت القرى والنجوع وقت الانتخابات، ولذلك لم يتصدر مرسي في القاهرة أو الإسكندرية، بل كان انتصاره دائما في البلاد الأكثر فقرا.
ولا يمكننا أبدا أن نتحدث عن الصندوق، وهناك جماعات ومؤسسات وهيئات غير منضبطة، ولا تخضع لأي قانون ولا أي محاسبة. جماعة الإخوان المسلمين مثلا غير معروفة الوضع، هل هي حزب، فتخضع لقانون الأحزاب، أم جمعية فتخضع لقانون الجمعيات أم مؤسسة دينية دعوية؟ ولا تتمكن الدولة تبعا لذلك من متابعة نشاط الجماعة وميزانيتها مما يمكنها من ضبط أدائها.
وبالمناسبة، فإنني لا أوافق كذلك على وضعية حركة 6 أبريل، والاشتراكيون الثوريون، وائتلافات الثورة بكافة أحجامها وأنواعها، آن الأوان للتخلص من هذه الكيانات الهلامية التي لا تتبع قانونا ما، غير أن مقارنة أي منها بالإخوان المسلمين، هو محض عبث، فنحن نتحدث هنا عن جماعة تتحرك في الظلام منذ ما يقرب من ستين عاما، وأصبح إخراجها للنور واجبا قبل الحديث عن أية صناديق انتخابية.
هناك أمور كثيرة يجب ضبطها حتى نحصل على لقب بلد ديمقراطي، ويمكن للإنسان أن يكتب كتابا كاملا عن ضوابط الديمقراطية الغائبة في مصر، لكننا، منعا للإطالة، سننتقل للسؤال الأهم: هل يعني هذا إيقاف أية انتخابات، وتأجيل الدستور، وتشكيل البرلمان حتى نستكمل هذه الضوابط؟
بالطبع لا، ولا يوجد عاقل يمكنه أن يقول بهذا، لكن ما يجب أن يحدث، وفورا، هو الاعتراف بأننا مرضى ديمقراطيا، وأن العلاج سيستغرق فترة طويلة قد تستغرق عقودا، ثم البدء في هذا العلاج، حتى تتحسن حالتنا كل يوم.
يجب أن نتوقف عن خداع المواطنين، فنقول لهم إن هذه هي الديمقراطية، الصندوق الأسود الذي لا يجلب إلا الخراب، وأن نبدأ في إصلاح مؤسسات الدولة. أو أن نعترف بأننا لا نريد الديمقراطية ونراها كفرا، ونريد أن نحكم بشريعتنا، لأننا نرى أنها شريعة الله، فالكذب حرام يا إخواني، الكذب حرام.
كان يجب على الرئيس الذي يواجه غضبا شعبيا ومطالب بالرحيل، لو كان صادقا، أن يبدأ بتطهير القضاء، بدلا من إلغائه، ولا أعني بالتطهير إقالة القضاة من مناصبهم، لكن التطهير يبدأ بخطوتين مهمتين لا قيمة لأية إجراءات بدونهما، هما إلغاء وزارة العدل، والتشدد في معايير اختيار القضاة، بحيث يخرج جيل من القضاء الأكفاء الذي لم يلتحقوا بسلك القضاء عبر الرشوة أو المحسوبية أو الوراثة.
كان يجب على الرئيس أن يعيد هيكلة الداخلية لا أن يسترضيها، كان يجب عليه أن يحتوي المحكمة الدستورية العليا لا أن يرسل من يحاصرها، كان يجب عليه أن يقيم حوارا حقيقيا مع المعارضة لا أن يقصيهم، كان يجب عليه أن يسعى لزيادة مساحة التوافق لا أن يغتال ما تبقى منه. كان يجب عليه أشياء كثيرة، لكنه لم يفعل إلا ما يجعل الجماعة فوق الدولة، والفقه فوق القانون، والمرشد فوق الجميع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق