Ads

عودة عبد الحليم

عمر حمَّش




الليلة وصل عبد الحليم حافظ بلحمِه، وبعظمِه، بعينيه المحدقتين، وبغرتِه المتطايرة، كان ممتدّا أكثر، معتدلا شابا، بصحةٍ متعافية، جاءني وأنا متكئٌ على الرملِ، وكان واقفا، لا يطوّح بيديه، ولا يغنّي، فقط كان يحدّق بنظرات أسى، قلتُ لمرافقتي الشابة:
هذا عبد الحليم ..
وكان اهتمامها به محدودا، ووجدتها لم تزل تهتم برفقتي!
طفحتُ أسىً، وأنا أرمقُ ذاكَ الفذّ.
ثمَّ قلتُ:
ألا تذكر ما كان؟
فهزَّ رأسه المعهود، وقال بصوتٍ كسير:
بلى!
كان اللقاءُ في ذاك الزقاق المنتهي بفرجة رمليّة متسعة، ستؤدي إلى سوق المخيم .. مخيم الشاطئ بالذات!
قلتُ: ربما عاودني ذاك الزمان، زمنُ الهروب القديم، وقت هرولت من فوقنا الطائرات.
قلت: أشتري لك شيئا من سوقِنا..؟
لم يَرُدُّ، ونظرتُه اتسعت، فلكزتُ مرافقتي البلهاء:
هذا الرجلُ هو عبد الحليم.
فلم تبالِ المجنونة، وظلت عيناها بي معلقتين، أمّا هو فظلَّ كإرثٍ قديم ،عيناهُ محدّقتان، وتجولان .. فجأة رمقني، وهو ينادي
"خلي السلام صاحي"
صحتُ مع دمعتين
" لو نامتِ الدنيا ... صحيت مع سلاحي"
ثمَّ صحتُ:
لكن ما الذي أتى بك إلى هنا!
وتمتم الرجلُ من بعد صمت:
أنا هنا لأكتبَ ما حصل ..
قلتُ:
صرتَ مهتما بالتأليف!

وكان لا يغني، فقط كان إرثا فاتنٍا، قد وصَل!