الخميس، 21 مايو 2015

السياسة الاقتصادية الحالية ودورها في انتعاش الاقتصاد المصري

الدكتور عادل عامر
ولعل أهم مؤشر يؤثر في معيشة الشعب المصري هو التضخم الذي ينعكس ارتفاعاً في الأسعار في مقابل انخفاض سعر الجنيه وتراجع قيمته الشرائية، خصوصاً بعدما استنزفت التطورات السياسية وتداعياتها المالية والاقتصادية والاجتماعية جزءاً كبيراً من احتياط النقد الأجنبي لدى البنك المركزي والذي انخفض من 36 بليون دولار نهاية 2010 إلى نحو 16.9 بليون دولار نهاية 2014، وخسر الجنيه المصري على مدار السنوات الأربع الماضية نحو 35 في المائة من قيمته، نتيجة ارتفاع سعر صرف «دولار القاهرة» من 5.9 جنيه إلى 7.7 جنيه في السوق الموازية، في حين يبلغ سعره الرسمي 7.15 جنيه، وكنتيجة طبيعية لذلك تجاوز معدل التضخم على أساس سنوي حاجز11.5 في المائة (علماً أنه في بعض الأشهر وصل إلى 14 في المائة)، وهكذا فإن ارتفاع معدل التضخم مع بقاء البطالة فوق سقف 13 في المائة من القوى العاملة، من شأنه إن يزيد كلفة المعيشة لشريحة واسعة من الفقراء، إضافة إلى الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري. في البداية نود التنويه إلى أن هناك حد أدنى من الشروط الواجب توفرها لدخول الاستثمارات إلى أي بلد أي أن اتخاذ القرارات الاقتصادية مرهونة بضمان سلامة المشروع وحمايته وتعظيم الربح في ظل الفرص البديلة، ويتوقف هذا الأمر على العديد من المقومات التي يجب توافرها في البلد المضيف ولعل أهمها يتمثل في الموارد الطبيعية والاستقرار السياسي والأمني، والقانوني، والاقتصادي، والنقدي، والمالي المتزامن مع توافر البيانات المالية السليمة والمنتظمة وتوفر البنية الأساسية المادية والموارد البشرية المؤهلة فضلاً عن سعة السوق الداخلية المقرونة بالقوة الشرائية للمواطن.
وفي ضوء ما سبق فإن الكثير من العلوم الاجتماعية تمثل بنية متكاملة تتأثر وتؤثر بعلاقات ارتباط على بعضها البعض مع الأخذ في الاعتبار أن العلاقة السببية فيما بينها تخضع لمفهوم النسبية لكن علم الاقتصاد أكثر تحسس وارتباط بكل العلوم الاجتماعية، والطبيعية بشكل عام ولعله يمثل القاسم المشترك بين مختلف العلوم.
ويتضح من نتائج التحليل أن القدرة التنافسية لأي بلد في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة تعتمد على المقومات المطلوبة والتي تشكل في مجموعها قوة جاذبة للاستثمارات وبموجبها تصنف مختلف بلدان العالم وفقاً لمعايير محددة وعلى أساسها يتم ترتيب قدرة كل بلد في المنافسة رقمياً مقارنة بغيره من البلدان ويلاحظ أن هناك علاقة ارتباط مباشرة بين ترتيب التنافسية وحجم تدفقات الاستثمار
ويلاحظ إن مسيرة الاقتصاد المصري تتأثر بالدعم الخارجي خصوصاً العربي، سواء كان ذلك من طريق المساعدات المالية والقروض والإيداعات، أم من طريق الاستثمار وتمويل المشاريع في القطاعين العام والخاص، وهذا الدعم يتحرك صعوداً أو هبوطاً وفق التطورات السياسية للعلاقات المصرية - العربية، ففي عهد الرئيس السابق محمد مرسي تدفقت الأموال والاستثمارات القطرية على مصر، ثم تراجعت في عهد السيسي، وأعاد البنك المركزي المصري نحو 6 بلايين دولار إلى الحكومة القطرية وسدد الدفعة الأخيرة وقيمتها 2.5 بليون دولار 28 تشرين الثاني 2014، وتبقى وديعة واحدة بقيمة 500 مليون دولار تستحق التسديد في النصف الثاني من 2015. وفي مقابل ذلك تدفقت المساعدات الخليجية إلى مصر، وقدّر حجمها وزير المال هاني قدري دميان بـ 10.6 بليون دولار لدعم موازنة العام المالي 2013 - 2014، لكن وزارة التخطيط المصرية أشارت في تقرير رسمي إلى إن مصر تلقت منحاً من الدول العربية خلال العام الماضي بقيمة 13.8 بليون دولار، ومعظم هذا المبلغ جاء من السعودية والإمارات والكويت، ووصفت المؤسسات الدولية الدعم الخلــيجي لمصر بأنه أمر حيوي، خصوصاً مع ارتفاع الفجوة التمويلية خلال العام المالي الجاري إلى 11 بليون دولار. إضافة إلى ذلك، يستفيد الاقتصاد المصري من ارتفاع حجم الاستثمارات الخليجية في تمويل مشاريع جديدة، مع الإشارة إلى إن عدد الشركات السعودية فقط، المؤسسة في مصر حتى نهاية (أكتوبر) 2014 قد بلغ 3302 شركه برأس مال مقداره 23.8 بليون دولار. شهدت مصر موجات متتالية من التحرير الاقتصادي ورفع القيود التنظيمية والخصخصة منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي. وقد أدّت هذه التحوّلات إلى ظهور فئة ضخمة من الشركات الوطنية الكبرى، التي أضحت تستأثر بحصة كبيرة من الإنتاج والتوظيف والاستثمار ودفع الضرائب والقروض المصرفية والصادرات.
وبحلول عقد التسعينيات في مصر، أصبحت قلّة من رجال الأعمال والعائلات تسيطر على الصناعات الرئيسة، وتراكم الثروة ورأس المال، وتمتلك حصصاً كبيرة من الناتج الإجمالي للقطاع الخاص والتوظيف والاستثمار. حصلت الشركات المصرية الكبرى على مجموعة كبيرة ومتنوّعة من الحوافز والتسهيلات في النفاذ إلى الموارد الاقتصادية في العقود الماضية، وذلك في إطار تشجيع الاستثمار ودعم تنمية القطاع الخاص.
 وتمتّعت هذه الشركات الكبرى بإعفاءات ضريبية، وحصلت على إعانات سخية في مجالات الطاقة والتصدير والنفاذ إلى الأراضي، ولاسيّما منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. ووفقاً لبعض التقديرات (في العام 2007)، حصل 45 مصنعاً على نسبة تصل إلى 65 في المائة من إجمالي دعم الطاقة المخصّص لقطاع الصناعة، علماً أن دعم الطاقة يشكّل حوالي 25 في المائة من إجمالي دعم الطاقة.
 ووفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة المالية، فقد بلغ متوسط المساهمات الضريبة للشركات الخاصة نسبة متواضعة تصل إلى 6 في المائة من إيرادات الدولة في الفترة من 2008 إلى 2012. وقد مثّل هذا المبلغ نحو ثلث حصيلة ضريبة الدخل على الشركات.
ونظراً إلى كون الغالبية العظمى من الشركات المصرية الكبرى غير مدرجة للتداول في سوق الأوراق المالية، فإن المعلومات عن مبيعاتها السنوية وإنتاجها وأرباحها ليست متاحة بسهولة. وبالتالي من الصعب تقدير الوزن النسبي للشركات الكبرى في الاقتصاد المصري على نحو دقيق، خاصة أن المسح الاقتصادي الذي قام به مؤخراً الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الهيئة الرسمية للإحصاء في مصر، يعتبر سرياً لأسباب تتعلّق بالأمن القومي. وعليه، لا تتضمّن المعلومات الصادرة عن السلطات أي مؤشرات على الأهمية النسبية لرؤوس الأموال الكبيرة. بدأت بوادر التعافي في الظهور على الاقتصاد المصري بعد 4 سنوات من تراجع النمو.
 غير أن الحكومة تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في تعزيز التعافي الاقتصادي مع معالجة المشاكل الهيكلية القائمة منذ زمن طويل. وتتضمن هذه المشاكل ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب والنساء، واحتياجات الحكومة الشديدة إلى الاقتراض ,ونسب الديون غير المستدامة والاحتياجات الملحة  إلى الطاقة، وتدهور قاعدة البنية التحتية. وتمثل البطالة بين الشباب بشكل خاص تحديا كبيرا أمام استقرار الاقتصاد والاحتواء حيث أن 70% من العاطلين حاليا والبالغ عددهم 3.7 مليون شخص يقعون في الفئة العمرية 15-29 عاما. نرحب بإجراءات ضبط المالية العامة التي اُتخذت في يوليو 2014. وفي الآونة الأخيرة أظهر البنك المركزي المصري مرونة كبيرة في إدارة سعر الصرف. فإذا استمر هذا الإصلاح على المسار نفسه وبالوتيرة ذاتها، يمكن تحقيق الاستقرار في المالية العامة ويمكن أن يبقى الاقتصاد على مسار من معدلات النمو المرتفعة.
ويعكس ما طرأ على النشاط الاقتصادي مؤخرا ارتفاعا تدريجيا في الثقة، وزيادة الإنفاق الاستثماري، وتأثيرات أساسية مواتية. ومن الأمور الجيدة أيضا أن نشاهد رغبة الحكومة في زيادة الإنفاق الاجتماعي، لكنها بحاجة أيضا إلى التأكد من استهداف الفئات المستحقة لمساعدة الفقراء وحمايتهم  مع تقييد معدلات التضخم في الوقت ذاته. فالأولوية الرئيسية لمصر حاليا هي تشجيع نمو يقوده القطاع الخاص لخلق مجموعة ضخمة ومتنوعة ومنتجة من فرص العمل للقوى العاملة المتزايدة وخفض معدلات البطالة. إن البلاد بحاجة إلى زيادة جاذبية القطاعات كثيفة العمالة والتصدي للدعم المكلف للطاقة . فمن شأن كل هذا أن يحرر الموارد الحكومية اللازمة لتعزيز الإنفاق الاجتماعي من أجل مساعدة الفقراء.
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية