Ads

الهجرة ..الاغتراب .. الفِرار الشنفرى أنموذجاً

بقلم / أيمن دراوشة
تُرى ما الذي يدفع المرء إلى الهروب والفرار عن وطنه وأهله وعشيرته... ؟ هل هو طلب الرزق ؟ أم الظلم والاستبداد ؟ أم الفقر ؟ أم ظروف اجتماعية واقتصادية بائسة ؟ أم القهر ؟ أم كل هذه الأسباب مجتمعة ؟
مهما يكن من أمر ، فالهجرة مصطلح قديم بقدم الشعر والشعراء ، ولعل أول ما وصلنا من أخبارها قول شاعرنا العداد الصعلوك الشنفرى.
أقيموا بني أمي صدور مطيكـــم فإني إلى قوم سواكـــــــــم لأميلُ
وفي الأرض منأى عن الكريم عــــــــن الأذى وفيها لمـــن خاف القلى متعزلُ
لم يُطلق اسم ( لامية العرب ) على هذه القصيدة اعتباطاً أو نظراً لأنها أقدم وأطول لامية وصلتنا من أدبنا المتكامل ، ولكن لأن هذه اللامية جاءت معبرة وبقوة وتكثيف ومعاناة أصيلة ، عن واقع عربي صحراوي بدائي ، يحمل فيما يحمل كثيراً من القيم الثابتة والمتحولة ، وتظل لها فاعليتها أو أثرها على تقادم الأزمنة وتغاير الأمكنة.
ولعل يخيل لي أنَّ هذه اللامية جاءت تخط عهد ثورة أو تمرد في الأدب ، فهي تبتدئ ببيت غير مصرع ، في حين أن كبريات القصائد في عصرها تبتدئ بأبيات مصرعة ، أو لعل التصريع * عبارة عن خطوة فنية متقدمة ، وليس هذا التمرد الشكلي هو الشيء الوحيد الذي حملته القصيدة ، بل هناك ثورة مضمونية ، إذ هجم الشاعر هجوماً مباشراً على موضوعه فليس لديه وقت للتلهي بالمقدمات الطللية أو الغزلية ، وأيضاً ليس له وقت للحب ، فالموضوع هام وجاد ، لذلك فهو يعرضه بكل جدية وبكل ما أوتي من قوة ، كما فعل ذلك صعلوك آخر صديق للشنفرى يُسمى تأبط شرا وهو غني عن التعريف ، وذلك في لامية شهيرة أعجب بها شاعر الألمان (غوتة) وترجمها إلى لغته ، وتأبط شرا هذا فعل كما فعل الشنفرى فبدأ قصيدته بدون تصريع ، وهجم على الموضوع هجوماً مباشراً.
وإذا عدنا إلى لامية العرب ، رأيناها تسجل نوعاً من هذا الاغتراب ، الذي ما زال يعتمل في نفوس الشعراء على وجه الخصوص ، فهم الأشد تأثيراً وإحساساً وتعبيراً عن الحالة من غيرهم.
فهذا الشنفرى يحس بغربة ثقيلة قاتلة بين قومه ، ، وهو لا يرتاح لهذه الحياة الجاثمة بكل ألوان ريائها وقمعها ، ولا يجد لها علاجاً سوى الفِرار أو الهجرة ، لكنه ليس فرار الجبان ، بل فرار الواعي الذي رأى آلة القمع الجبارة تتقدم ، وإنه لا قبل له بدفعها أو صدها إلا بالاحتجاج عليها وتعريتها وفضحها والتأليب عليها.
هذا الشعور بالاغتراب يحس به غريزيا طفل يشعر بالاضطهاد
والظلم ، وهو لا يعرف ماهية الظلم في بيته ، فحاول الهرب من البيت. كما يحس به شاعر مناضل الذي فر إلى الانتحار بطلقة كانت كافية لوضع حد لحياته .
تختلف إذاً ردود الفعل أمام هذا الشعور المقيت ، وقد اختار الإنسان العربي عادياً كان أو شاعراً أو أديباً الهروب أو الهجرة حيث رأى فيها هروباً من مشاكله ، ورد أسباب هذه الهجرة إلى الفقر والقهر والظلم ( العاملين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي )الذي يعيشه في مجتمع يلهث وراء رغيف الخبز ، فيما الفاسدون يعيثون في المجتمع فساداً بحماية قادته الطغاة تتبعهم كلابهم .
هذا بدا لنا من خلال مرحلة من مراحل القصيدة المتفوقة للشنفرى ومن خلال ذئابه المتفرده التي لم يجاريه فيها أحد عربياً كان أو حتى عالميا وعلى مدار التاريخ ، وكأنه يفسر لنا أو يبرر أسباب فراره وهروبه وضياعه.
فذئاب الشنفرى إنما تعاني من ظلم الطبيعة ما يعانيه نفسه من ظلم المجتمع الفاسد ، فنلمح الشاعر في صورة الذئب ، والطبيعة هي رمز للمجتمع . لقد فر الشنفرى من قومه للطبيعة ، فقد عانى ما عانى من قمع وظلم ، فإذا به يعاني من الطبيعة مثل هذا القمع من مجتمعه.
تمثل هذا القمع من الجوع الذي يكابده ، ، وفي افتقار الرحمة من لدن الطبيعة والمجتمع ، وبالتالي افتقاد أي حق للإنسان أو للذئب. والحل الذي توصل إليه نوع من الحلول الثوريه ، ولكنه يحمل كوامن الثورة في داخله.
أسباب الهجرة التي رسمها لنا شاعرنا من الثوابت القائمة (الرهبة – الرغبة) ، ولكن لا يد مع ذلك من العقل . وما أظن أن شاعراً أو غيره إلا هاجر في نفسه وفي وطنه وفي قومه وحتى في العالم.
هنا يحضرني مقولة (للسفر سبع فوائد) هذه الفوائد لا أذكرها جميعاً لكن ما يهمني هي أنها دعوة للاغتراب والهجرة والهروب والفرار والأسفار.
ربما كانت هذه الفوائد أقل أو أكثر ، ولكنها تبقى قائمة حتى ولو لم نحسن تعداداها ... التاريخ يعيد نفسه ولو بعد مئات السنين ، لقد كرر الشنفرى الكثيرون من الشعراء والممحوقين وفي نفس السياق الفكري . الهجرة مستمرة والهروب مستمر طالما القمع والقهر مستمرين. 
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
*التصريع كما وردت في معجم المعاني 
مصدر صرَّعَ 
( بلاغة ) أن يتَّفق آخرُ جزء من صَدْر البيت وآخرُ جزء من عجزه في الإعراب والوزن والتَّقفية.
1. صريع : 
تصريع 
1 - مصدر صرع .
2 - في الشعر : اتفاق آخر جزء من صدر البيت وآخر جزء من عجزه إعرابا ووزنا وقافية . ويكون التصريع عادة في البيت الأول من القصيدة .
3- صرَّعَ : 
صرَّعَ يصرِّع ، تصريعًا ، فهو مُصرِّع ، والمفعول مُصرَّع :- 
• صرَّع البَيْتَ من الشِّعر ( العروض ) جعل شَطْرَيْه متّفقَيْن في الوزن والتَّقفية . 
• صرَّع فلانٌ فلانًا : طرحَه أرضًا بعنف . 
• صرَّع النَّجارُ البابَ : صرَعه ؛ جعله ذا مِصْراعين .

0 تعليقات:

إرسال تعليق