بقلم : د. عبد الحليم منصور . أستاذ الفقه المقارن ، ووكيل كلية الشريعة والقانون بالدقهلية .
من مات وعليه صيام من رمضان , لم يخل من حالين ; أن يموت قبل إمكان الصيام , أو أن يموت بعد إمكان الصيام ، ولكل من هاتين الحالتين حكمها .
الحال الأولى : أن يموت قبل إمكان الصيام إما لضيق الوقت , أو لعذر من مرض أو سفر , أو عجز عن الصوم , فهذا اختلف الفقهاء في حكمه على رأيين :
الرأي الأول : يرى جمهور أهل العلم أنه لا شيء عليه .
وعللوا قولهم : بأن الصوم حق لله تعالى وجب بالشرع , مات من يجب عليه قبل إمكان فعله , فسقط إلى غير بدل , كالحج
الرأي الثاني : حكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا : يجب الإطعام عنه .
وعللوا قولهم : بأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه , فوجب الإطعام عنه , كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام , لعجزه عنه .
ونوقش استدلالهم بالقياس على الشيخ الهرم : بأنه قياس مع الفارق لأن الشيخ الهرم يجب عليه الصوم ابتداء ، بخلاف الميت فلا يجب عليه .
قال ابن قدامة : " ويفارق – أي الميت - الشيخ الهرم ; فإنه يجوز ابتداء الوجوب عليه , بخلاف الميت " والراجح الأول
الحال الثاني , أن يموت بعد إمكان القضاء
وقد اختلف الفقهاء فيم يجب عليه في هذه الحالة على رأيين :
الرأي الأول : يرى جمهور الفقهاء أن الواجب على من مات وعليه صيام وكان بإمكانه القضاء ولم يقض ، فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين ولا يصام عنه مطلقا وهذا القول مروي عن عائشة , وابن عباس . وبه قال مالك , والليث , والأوزاعي , والثوري , والشافعي , والحسن بن حي , وابن علية , وأبو عبيد , في الصحيح عنهم .
وعللوا قولهم :
1 ـ ما روي عن ابن عباس أنه قال : " لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد "
2 ـ عن عائشة أنها قالت : " لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم " قالوا : فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه . قال في الفتح : وهذه قاعدة لهم معروفة , إلا أن الآثار عن عائشة وابن عباس فيها مقال وليس فيها ما يمنع من الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدا , وهذا بناء من صاحب الفتح , على أن لفظ حديث ابن عباس باللفظ الذي ذكره هنالك وهو أنه قال : كان لا يصوم أحد عن أحد , ولكنه ذكره في التلخيص باللفظ الذي ذكرناه سابقا .
قال الشوكاني : والحق أن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما رآه , والكلام في هذا مبسوط في الأصول . والذي روي مرفوعا صريح في الرد على المانعين "
الرأي الثاني : قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ، من مات وعليه صيام ، أطعم عنه وليه : ولا يصام عنه إلا النذر .
وعللوا قولهم بما يلي :
1 ـ ما روى ابن ماجه , عن ابن عمر , أن النبي قال : { من مات وعليه صيام شهر , فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا }
2 ـ ما روي عن ابن عباس , أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر ؟ يصوم شهرا , وعليه صوم رمضان . قال : أما رمضان فليطعم عنه , وأما النذر , فيصام عنه .
3 ـ قالوا : إن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة , فكذلك بعد الوفاة , كالصلاة .
الرأي الثاني : يرى الشافعية في قول ، وأبو ثور : أنه يصام عنه
وعللوا قولهم : بما روت عائشة , أن النبي قال : { من مات وعليه صيام , صام عنه وليه }
مناقشة هذا الاستدلال : لا نسلم لكم الاستدلال بهذا الحديث لأنه محمول على من مات وعليه صوم نذر ، فهذا يصام عنه ، بخلاف من مات وعليه قضاء صوم من رمضان ، فلا يصام عنه ، وإنما يطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينا . قال ابن قدامة :" فأما حديثهم فهو في النذر ; لأنه قد جاء مصرحا به في بعض ألفاظه , كذلك رواه البخاري عن ابن عباس , قال : { قالت امرأة : يا رسول الله , إن أمي ماتت وعليها صوم نذر , فأقضيه عنها ؟ قال : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه , أكان يؤدي ذلك عنها ؟ قالت : نعم . قال : فصومي عن أمك } . وقالت عائشة , وابن عباس كقولنا , وهما راويا حديثهم , فدل على ما ذكرناه .
الرأي الراجح : يبدو لي بعد العرض السابق لآراء الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة أن ولي الميت بالخيار ، إن شاء أطعم عنه عن كل يوم مسكينا ، وإن شاء صام عنه ، عملا بالأحاديث الواردة في هذه المسألة ويكون التخيير في ذلك للولي ,
ومن الممكن أن يقال : يحمل الحديث الوارد في الإطعام على حال السعة والغنى ، وحديث الصوم على حال الضيق والفقر ، وفي هذا جمع بين الدليلين ، وإعمال الأدلة كلها خير من إعمال أحدها وإهمال الآخر .
والله أعلم .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق