بقلم د.علياء هادي
لم تتعدى صور طفولتي اكثر من لونان فقط هما الأبيض و الأسود و ذلك لأنني من مواليد السبعينيات حيث كانت الحياه اكثر بساطه و اقل ألوانا من القلق و التفاصيل مقارنه بما نحن عليه الان من العصر الالكتروني الذي لعب فيه الرئيس الامريكي الكره مع الروبوت الذي ابهره به اليابانيون في استقباله بالعاصمه اليابانيه.ا
تربيت في رعاية والداي اللذان تولوا رعايتي وأخواتي بأنفسهم، و لعل وجودنا في احد دول الخليج المحافظه كان سببا إضافيا في تفانيهما في حبنا و العمل على راحتنا بتسخير وقتهم لنكون اول وآخر قائمة اهتماماتهما حتى أنني لم أكن لأتخيل ان أباً او أُما او احداً يمكنه ان يقسو على طفل او حتى يتورع في التفكير في إصابته بمكروه، و مازالت معاناة الأطفال سببا كافيا لإحساسي بالتكدر و الألم بل و البكاء احيانا. و يبدو انني كنت انتوي بلا سابق تخطيط، ان اقدم لأطفالي ما قدمه والداي الكرام لي و لإخوتي من الوقت و الجهد و العمل على الإخلاص لأجل أطفالي بشكل مبالغ فيه. إلا ان تجربتي جائت بفارق شديد من الاختلاف الزمني و الظرف المعيشيه، فلا انا املك نفس الوقت الذي توافر لوالداي ولا انا على درايه بكل ما أتمنى ان يعرفه أولادي من المعلومات و يكتسبونه من الخبرات التي تستلزم مخالطتهم للعالم الخارجي بجانب عالم الأُسره الداخلي لإكتساب المهارات المختلفه، و بعد تفكير عميق و محاولات وصل الليل بالنهار و بعد عدة سنوات من العمل المُضني، إذا بطفلي الذي أنجبته بالأمس يكاد يتفوق علي طولا و وزنا و لغه و و و و و و و ، و فجأه و بدون مقدمات سألت نفسي نفس ذاك السؤال الذي سمعته مرارا و تكرارا من معظم (إن لم يكن كل الآباء و الأمهات): متى حدث هذا؟
متى كبر طفلي و اصبح على أبواب المراهقه؟ و متى سأفعل له ما فعل لي والداي؟
و كانت وقفتي مع نفسي لإعادة ترتيب أوراقي و محاولة جدولة الأمر بشكل اكثر منطقيه و واقعيه لأفعل ما فعله والداي في العصر الماضي و اوظفه بشكل يخدم المستقبل الذي سيعيشه طفلي بإذن الله؟
كان اكثر ما يؤرقني هو ان ابني سيسافر بعد الثانويه للالتحاق بإحدى الجامعات خارج الولايه التي نقيم بها و كيف ان هذا سيقلص مدة إقامته معنا و التى لم يتبقى منها الكثير من السنوات مقارنه بما مضى منها! ثم تنبهت إلى انني قد تركت منزل ابي و أمي للالتحاق بالجامعه أيضاً، اي في نفس المرحله العمريه المقرر لطفلنا ان يتركنا! و انني بالرغم من بُعدي عن منزل والداي منذ سن الثامنة عشره، مازلت اذكر كلماتهم و تصرفاتهم و أفكارهم و مبادئهم و أحن لطفولتي بصورها ذات الأسود و الأبيض، و ما زلت افخر و اعتز بعائلتي و أصلي و فصلي اللذان هما مصدر اطلاع غني بالنسبة لي، ليس فقط مجرد انتماء لأُسرتي الصغيره، و لكن أيضاً من اصل انتمائي لحضاره فرعونية وصولا لمجتمع في عصر الديجيتال بما بينهما من مفارقات و مقاربات تجعل من المجتمع المصري مجتمعا شرقيا يحمل الخلطات السريه من حضاراته التي تجتذب البعيد و القريب بجواهر تقاليدها المطعمه بفصوص من الخصوصيه و التفرد الواضحين.
عندها أيقنت ان تأثير كل من الأب و الأم هو ليس بالمده الزمنيه او عدد الساعات و السنوات التي يمضيانها مع اولادهما، و لكنه بعُمق الفكر الذي سيورثوه لأطفالهم. ذلك الميراث الذي يتميز عن الصفات الوراثيه بأنه اختياري، فلا يختار الأبوين لون عيون أطفالهم او حجم أنوفهم او طول قامتهم، إلا انهم باستطاعتهم اختيار ما سيلقنوه لأطفالهم و يتحدثون لهم بشأنه و يعودونهم عليه! و يحضرني قول طبيب الاطفال النفسي مارك ليتوين: "من لم يحدثهم أبواههم عن الخير و الشر و الخُلق الحسن، فسيحدثون انفسهم كإنسان الغاب الذي يحكمه صراع البقاء" و عندها سيكون الاطفال كالطرزان الذي جاء المدينه ليحمل مظهرا مدنيا متعارض مع داخله فكريا فلا يجيد سوى السير بوحي الإعتماد على الطبيعه و التي تدور بشكل رئيسي (إن لم يكن أُحادي) حول التكيف و البقاء.
قدم والداي العديد من الاستثمارات التربويه المثمره لنا، لكني أخص بالذكر هنا التعليم، و الذي لم يقتصر على تعليم دراسي في افضل المدارس التي توافرت في المدينه التي نسكن بها آنذاك و كانت في متناولهم ماديا، و إنما تعليما ثقافيا و فكريا من خلال كتب، ومناقشات و أفلام و حواديت و ذكريات و كأنهما حفظهما الله كانا في مصنع لتربية أطفالهم لم يتوقف عن العطاء ليل نهار. قرائاتنا و متابعاتنا كانت تتوج دائماً بالمناقشه مع ابي و امي و اجتماعاتنا العائليه الثقافيه كانت تتحلى بالاختلاف في الرأي و تنصقل بالتحليل المنطقي و الأسئله السقراطيه (مدرسة الفيلسوف و المؤرخ اليوناني سقراط) المبنيه على ان نعقل الأمور بطرح اسئله بأنفسنا و إجابتها بأنفسنا أيضاً لتحفيذ التفكير و التحليل المنطقي بدلا من مجرد تصديق كل ما سمعنا و قرأنا.
كان بيتنا ملئ بالكتب من الدينيه و العلميه و الموسيقيه و الفنيه و النفسيه و الموسوعات التي كانت تحضر لبيتنا في مغلفات و علب لو كانت لتتراكم فوق بعضها لصنعت برجا يخترق سقف المنزل. فتربعتا القرائه عامه و المناقشه خاصه على عرش ما يرضي والدانا و يقربنا منهما و ينال اطرائهما و الوصول لطلباتنا التي دائماً ما اتصلت بتصرفاتنا، إلا ان قراءة كتاب و تلخيصه و مناقشة والداي فيه كان كفيل برسم ابتسامة الرضى و العفو عن ايٍ مما قد يبدر من أطفال.
لقد فتح ابي و أمي من تربيتنا باباً جديدا لأنفسهما ، فقرئا معنا و تثقفا معنا مما ربط بيننا و بينهم لأننا فعلنا ذلك سويا، كما أوجد موضوعات مشتركه لنتحدث عنها. و غزلت خيوطا مختلفه ربطتنا بشكل مختلف بينهما، فقرأنا السياسه و الدين مع ابي، و قرأنا كتب المشاهير و أدب الرحلات مع والدتي و قرأت انا الأدب العربي بمفردي ، بينما كانت اختى تهوى الأدب الانجليزي و تجد في القراءه بلغتها الثانيه منفذا على حضارات اخرى تسافر لها دون ان تتحرك من على كرسي مكتبها بمنزلنا!
و دعوتي هنا للتحدث و القراءه مع أطفالنا و مرافقتهم على الدرب الثقافي الذي سيفيدنا كما سيفيدهم أيضاً حتى نصل بهم الى استقلالهم الفكري المتأسس بالقراءه و التحليل، و الذي سيحمل جيلا جديدا يتحدث لغة العصر في نفس الوقت الذي تُصقله تربيتنا و ثقافتنا و فكرنا و تراثنا فيجمع الأطفال من عبق تاريخنا الوطني و الأُسري فيعطرون به مستقبلا مشرقا أينما ذهبوا!
د.علياء هادي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق