الأحد، 22 يونيو 2014

حــســــن زايـــــــد .. يكتب : الــتــحـــرش بين المـــرض والــعـــرض

التحرش لغة التهييج والإستفزاز وإثارة الحفيظة . والتحرش الجنسي هو الإثارة والإغراء بقصد الإيقاع الجنسي . والتحرش له ثلاثة أركان حتي يقع هي : المتحرش والمتحرش به وفعل التحرش .الركن الأول : المتحرش . والمتحرش هو الشخص الذي يأتي فعل التحرش ، وهو قد يكون فرداً أو جماعة  ، وقد يكون رجلاً أو إمرأة ، وقد يكون قريباً أو غريباً ، وقد يكون صاحب العمل ، أو رئيس في العمل ، أو زميل في العمل ، أو عميل . وقد يكون أحد المارة في الشارع أو أحد الجيران . وقد يكون زميلاً في المدرسة أو الجامعة . ويختلف مكان التحرش باختلاف المكان الذي يتواجد فيه كل هؤلاء . الركن الثاني : المتحرش به . والمتحرش به هو الطرف الآخر الذي وقع عليه فعل التحرش . وفعل التحرش هو فعل إرادي اختياري يتخذه المتحرش في مواجهة المتحرش به بقصد إثارته وتهييجه واستفزازه وإغراءه ، ولذا يعد المتحرش مسئولاً مسئولية كاملة عن فعله بغض النظر عن المتحرش به ، لأنه لو كان الفعل تبادلياً أو تفاعلياً بين الطرفين ما عُد ذلك الفعل تحرشاً . الركن الثالث : فعل التحرش . وفعل التحرش هو أي صيغة من الكلمات أو الإشارات أوالأفعال ذات الطابع الجنسي تنتهك جسد أو مشاعر شخص ما علي نحو غير مرغوب فيه . وعليه فإن التحرش قد تصادفه في أي مكان ترتاده علي نحو أو آخر ، بل إنك لو أنعمت النظر في تصرفاتك لربما ضبطت نفسك متلبساً بهذا الفعل سواء أدركت ذلك أم لم تدرك . قد تجده في نظرة متفحصة أو غمزة عين أو تعليق موحي أو مكالمة هاتفية أو رسالة قصيرة أو تتبع وملاحقة أو ملامسة تبدو عفوية أو احتكاك عفوي . وقد يبدو الفعل اكثر صراحة وفجاجة ووقاحة سواء كان بالكلمة أو بالإشارة أو بالفعل أو بكل هؤلاء . فإذا ما اكتملت الأركان الثلاثة وقع الفعل . فلا تحرش بغير متحرش أو متحرش به . ومن المنطقي أن يجري إخراج المتحرش به من دائرة الأسباب لأنه الطرف المفعول به ، لأننا لو اعتبرناه سبباً ما صار الفعل تحرشاً ، وما صار هو مفعولاً به ، وإنما فاعلاً ثانياً ، وهذا بحث آخر . وفعل التحرش ذاته هو فعل موجود بالقوة : أي أنه فعل افتراضي لم يوجد بعد طالما لا يوجد فاعلاً له ، فإذا وجد الفاعل وجد الفعل لأن الفعل لا يوجد بذاته . ومن هنا لابد من إخراج الفعل من دائرة البحث . ولا يبقي أمامنا سوي الفاعل وهو المتحرش . فإذا نظرنا إلي التحرش باعتباره جريمة ـ وهو كذلك ـ فلابد أن ننظر إلي سلوك الفاعل المتحرش باعتباره سلوكاً إجرامياً .فإذ نظرنا إليه باعتباره كذلك لقادنا إلي البحث في دوافع هذا السلوك الإجرامي ، وتفسير محركاته ، داخل مكونات السلوك ذاته وليس خارجه . فالتشخيص الدقيق يقتضي فحص السلوك الإجرامي من داخله وليس من خارجه ، ومن الخطأ والخطل ترك المرض ومعالجة العرض . وقد علمنا القرآن الكريم ذلك عند معالجته لقضية الزنا ، فعندما أراد المولي عز وجل أن ينهانا عن الزنا لم يقل لا تزنوا ، وإنما قال : " لا تقربوا الزنا " . وهذا يعني أن التدخل لابد وأن يكون في مرحلة سابقة من مراحل السلوك البشري علي مرحلة النزوع إلي الفعل . فإذا كان السلوك البشري ـ كما يذهب علماء النفس ـ يتكون من ثلاث مكونات أو مراحل هي : الإدراك والوجدان والنزوع  . والإدراك يتأتي من خلال الحواس الخمسة التي تشكل نوافذ الإنسان التي يطل من خلالها علي العالم الخارجي ، ومن خلال مدخلات هذه الحواس يتشكل الوجدان ، سواء باستحسان أو باستقباح ما تشكل من مدركات ، وعلي ضوء ذلك يقدم الإنسان أو يحجم عن التصرف . وللتقريب نضرب مثلاً : فالإنسان حين يري وردة في بستان يدرك وجودها بعينه ، وحين يستحسن شكلها يتشكل وجدانه بالإعجاب بها ، فينزع اليها بقطفها . ومن هنا كان التدخل الإلهي قبل مرحلة النزوع إلي الفعل كي لا يقع الفعل . والتدخل في مرحلة ما قبل النزوع تتطلب إعادة بناء المنظومة القيمية داخل النفس البشرية علي نحو صحيح بحيث تحول ذاتياً بين المرء وبين السلوك الإنحرافي . وذلك يتم علي مرحلتين هما : مرحلة الهدم ومرحلة البناء . هدم القائم من القيم والمفاهيم الفاسدة عن طريق مناقشتها وبيان فسادها ، ثم تقديم البديل القيمي المرغوب فيه ، والعمل علي إرساء قواعده ، والإرتفاع ببناءه ، حتي يتشكل الإدراك والوجدان في إطاره . وبذلك يكون العلاج قد أصاب أصل الداء . وهذا بالقطع ليس بديلاً عن التعامل الأمني والقانوني مع هذه الظاهرة باعتبارها جريمة ، وأن مقترفها مجرم يستوجب سلوكه التأديب والتهذيب والإصلاح  وخاصة الحالات التي  يتم فيها توظيف هذا السلوك الإجرامي توظيفاً سياسيا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق