د .كمال يونس
تقلصت عدد الفرق المسرحية الخاصة بما لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، بعد أن كان عددها حوالي عشرين فرقة في أوائل الثمانينات ،وذلك لانصراف الجمهور عن المسرح عامة ، وبخاصة المسرح الخاص، ولم يكن هذا بالأمر المدهش لمتابعى الحركة المسرحية وما انتابها من تردى على يدي أهلها ، وكما يقول المثل على أهلها جنت براقش ، ولا يمكن اتهام الفضائيات والسينما بأنهما السبب الوحيد ، في ظل الارتفاع الفلكي لأجور نجومه ،و بالتالي سعر تذكرة المسرح الخاص،الذي خلا من الجمهور إلا فيما ندر، و الذي لا يفتح أبوابه للجمهور إلا عندما يتم تسويق المسرحية ليوم أو اثنين على الأكثر في الأسبوع أو الشهر.
لقد افتقد المسرح الرؤية الفكرية ، فبعد أن كان يرصد السلبيات ، ويسلط الضوء على مكامن الخلل والإبداعية ، في قوالب درامية متعددة اختزلت إلى الكوميدي الوقح فقط ، مساهمة منه في تزييف الوعي وتخدير المشاعر ، وإهدار الوقت ، والإساءة لفن المسرح ، والتهكم على ثوابت المجتمع وقيمه ، بدأوا بالكلمة فأهدروها ، والسر في كلمة الورك شوب أو الورشة الفنية ، الكل حسب سطوته في العمل ودرجة نجوميته ، وأطاحوا بالنص ومؤلفه على يد المضحكاتية مبتكري الإيفيهات (التعليقات ) الجنسية الساذجة و التي يتنافسون فيها لدرجة أنهم يكررونها دوما ، ولا مانع من تبادل التعليقات والقفشات مع الجمهور، وكأن المسرح حارة أو مقهى بلدي ، أو مولد وصاحبه غايب كما يقول المثل ، ليضحك الجمهور لا استمتاعا بل سخرية وعدم تصديق لما يسمعه ، فتنصرف حرجا وخجلا كثير من الأسر التي اصطحبت أبناءها ، صغارا وكبارا ، ومن العجب أن المشاركين في هذه العروض يواجهون أحيانا تهمة الخروج على النص، عجبا.. أين النص؟!! ، وقد خرجوا عليه في ظل هذه الفوضى العارمة، بل فلتكن تبعية الرقابة ما يقدموه على شرطة الآداب ، فما يقدم لا علاقة له بالفن ، ولا المصنفات الفنية.
إن دراسة مفردات عروض المسرح الخاص تظهر بوضوح أنه عرض النجم الأوحد ، وممنوع منعا باتا على أي من المشاركين في العمل ، أن ينسوا أنهم مخدماتية ، يقتصر دورهم على التمهيد لإيفيهات النجم ، و الذي يجرؤ على أن يستحوذ على تصفيقة واحدة من الجمهور ، يحجم ويضرب على يديه ، و إلا فالباب يفوت جمل كما يقول المثل ، أما بطلة العمل يحبذ لو كانت راقصة ، أو تهز وسطها بمناسبة أو بدون مناسبة درامية ، بملابس خليعة ، وفاضحة ، مع استعدادها لأن تكون محور للغزل والتعليقات الجنسية ، التي تعدت مرحلة الإيحاءات ووصلت إلى فحش لفظي و حركي مكشوف ولابد من أن يتضمن العرض المهلهل شخصية لأحد الشواذ ، كمادة للتعليقات الفجة المبتذلة من النجم ومعاونيه ، ولا يخلو عرض من تلك العروض على تلك الشخصية وكأنها محاولة لفرض الشذوذ كسلوك عادى !!! ، ولا بد من تواجد بعض الفتيات العاريات ، أما الأقزام وكبار السن فهم المادة الخصبة للتعليقات الساخرة ، بلا مراعاة لقيم المجتمع وثوابته.
أما الموسيقى فهي ألحان الأغاني الهابطة المصاحبة لرقص وغناء النجم وبطلة العرض ، ولا يشترط جمال الصوت ولا إجادة الأداء ، لإعطاء العرض السخيف سخونة ، وتنتهي المسرحية بموقف سياسي منتقد للحكومة ، في محاولة لمصالحة الجمهور ، و الاغتسال من سوء ورداءة ما قدم لعدة ساعات ، هي مدة ذلك العرض المبتذل.
إذن فلنلخص في معادلة ماهية عروض المسرح الخاص فيما يلي ، نص مهلهل عبارة عن مجموعة إيفيهات (تعليقات ) جنسية وسياسية + نجم ذي أجر مرتفع + بطلة بملابس فاضحة + شخصية لشاذ جنسيا + قزم أو عجوز كمادة للسخرية + موسيقى الأغاني الهابطة + موقف سياسي في نهاية العرض يظهر العرض على أنه يهاجم الحكومة والنظام .
ويجب أن يضع الجميع في الحسبان أن السمعة الممتازة للمسرح المصري ، إنما اكتسبها بفضل الطليعة من المسرحيين (العرب ) الشوام والمصريين ، الذين آمنوا برسالة المسرح ، وعملوا على أن يؤدى دوره الثقافي مرتقين بالذائقة الفنية للجمهور، فقدموا روائع المسرح العالمي من مسرحيات وروايات إما مترجمة أو ممصرة ، أمثال أبو خليل القباني ، يعقوب صنوع ، جورج أبيض ، يوسف وهبي ، عزيز عيد ، زكى طليمات ، عبد الرحيم الزرقانى ، نجيب الريحانى ، بديع خيري ، سلامة حجازي ، روز اليوسف ، إسماعيل يس ، تحية كاريوكا ، فايز حلاوة ، وفرقة الفنانين المتحدين إبان مجدها ، ومحمد صبحي ، وجلال الشرقاوى ، وغيرهم وغيرهم مما رسخ لماهية المسرح ومفهومه الحضاري ، وكل جهدهم كان من خلال الفرق المسرحية الخاصة التي تنافست في تقديم الأجود بتنافس فني شريف وجو إبداعي خلاق ، بيد أن التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعالمية وتزاحم الفضائيات ، والمنافسة الشرسة للدراما التليفزيونية ، وهبوط مستويات الإنتاج المسرحي لمسارح الدولة ، عندما حاول أن يقلد المسرح الخاص وتقليده مما أدى إلى فشل ذريع ، و طغيان المادية ، والتراجع الأخلاقي في إيمان الفنان برسالته قد أثرت بشكل ملحوظ ولافت للنظر على المنتج المسرحي للمسرح ككل والمسرح الخاص على وجه الخصوص.. بل والمحزن أن المسرح الخليجي قد تأثر بالمسرح المصري الخاص ، السياحي ، التجاري ، في أحط مراحله ، فكانت غالبية أعماله ممثلة لتلك المعادلة السيئة التي تسببت في انحداره أيضا ، إذ تحولت معظم المسارح الخاصة إلى ما يشبه الكباريهات ، ولا ينقص إلا تقديم المزه ( المشهيات ) والمشروبات والنقوط ، ورغم هذا ما يزال النجوم مصرين على أجورهم المبالغ فيها ، بل ونسبة من إيراد شباك التذاكر الخاوى.
وأخفقت المعاهد المسرحية الفنية الكثيرة في العالم العربي في إحداث نهضة مسرحية حقيقية ، تحت وطأة تلك المعادلة الكفيلة بالإطاحة بتاريخ ومجد وجلال المسرح ، وإعراض الجمهور عنه ، وإغلاق منافذ كان المفترض أنها إبداعية ، وكل ذلك التأثير السلبي إنما يؤدى إلى ضرب الحركة المسرحية في مقتل ، والضرب في الميت حرام ، لذا يجب على الفنانين الجادين أن يرفضوا تلك المعادلة من أجل الفن كرسالة أولاً ولقمة العيش الشريفة ثانيا ً.


0 تعليقات:
إرسال تعليق