تقرير/ عبدالحميد شومان
دخلت
سوريا عامها الثالث تحتسب الدول المعنية «المكاسب والخسائر» مما جرى خلال الـ24
شهراً الماضية، وما سيحدث في المستقبل المنظور من تغيرات في المواقف الدولية، وكيف
ستتعامل «القوى العظمى»، وحتى الدول العربية «المنتشية بالتحولات»، مع الخريطة
الجديدة لسوريا المستقبل.
حتى
الآن، يبدو أن روسيا حسمت أمرها، مع الصين وإيران، في دعم النظام القائم مقابل
موقف للولايات المتحدة لا يزال متذبذباً بين رفض النظام القائم وغياب الدعم الكامل
للثورة السورية، ومواقف متباينة لدول الاتحاد الأوروبي التي تخشى مداً كبيراً من
لاجئي دول الهلال الخصيب وانعكاساته على دول الجوار ولاحقاً الانعكاسات على الدول
المنتجة للطاقة.
وحدها
إسرائيل لم تتخذ موقفاً واضح المعالم (مثل الموقف الأميركي)، وتبدو الى حد ما
مبهورة من سرعة انهيار النظام السوري، من دون نسيان تقويم النتائج التي يمكن أن
تسفر عن «تحلل» الجمهورية السورية مع ما في ذلك من عدم استقرار في هذا المجال
الحيوي، الذي كانت تُقدر أنه «بوابة السلام الدائم» مع العرب لو وقعت مع دمشق
اتفاق سلام يشبه، الى حد ما، ما جرى مع مصر والأردن.
وتبدو
تركيا أكثر دهشة من إسرائيل، خصوصاً أنها خسرت بسبب الأزمة مجالاً حيوياً
لاقتصادها الذي تضرر من خسارة السوق السورية ومن ممر حيوي لبضائعها المتجهة الى
الشرق، إضافة الى الأضرار المستقبلية من إمكانية خسارة السوق العراقية ومعبر
الفرات، إذا ما انتقلت الأزمة الى بلاد ما بين النهرين بعد انحسار الحرب في سوريا.
الانفتاح
على المجهول
وفي
تقويم مستقل قدمه في «تشاتام هاوس» في لندن، قال الخبير البريطاني كريستوفر فيليبس
«إن المسألة السورية مفتوحة على المجهول، وقد تستمر لسنوات، وقد نصل الى مرحلة
يمكن أن يُدرسها المؤرخون كما درسوا تاريخ المنطقة الشرقية».
وشدد
على «ان تنوع الاتنيات والأعراق في سوريا يكفي وحده لإطالة أمد الأزمة لسنوات،
خصوصاً لتعدد الأطراف المؤثرة في مختلف التجمعات السورية المحتاجة الى العون
والفاقدة الولاء لدولة العلويين التي لم تعط أي مجموعة أجزاء من حقوقها، بل اضطهدت
من كان يطالب حتى بتعليم لغة ورثها عن أجداده ويعتبرها مرتبطة بثقافته وعقيدته».
«مخلب
القط»
تنفذ
الدبلوماسية الأميركية توجيهات الرئيس باراك أوباما، الذي تصفه الخارجية
البريطانية بأنه «رئيس يؤمن بالحوار وينبذ اللجوء الى السلاح». وعليه لا يمكن أن
ينتظر العالم أي تدخل مباشر من إدارة أوباما إلا إذا لجأ النظام الى استخدام أسلحة
كيماوية ضد مجموعات كبيرة من معارضيه، وحكما إذا اضطرت واشنطن منع أي «اعتداء
صاروخي على إسرائيل».
وتتوقع
واشنطن أن تكون «سوريا المستقبلية» دولة «فقيرة ومفتتة تابعة لقوى إقليمية». ولا
تمانع في أن تدور الدولة، أو الدويلات السورية المستقبلية في فلك تركيا أو حتى
إسرائيل، المهم أن تخرج تدريجياً من فلك روسيا وألا تبقى «مخلب القط» الذي يحاول
ازعاج المصالح الأميركية في المنطقة أو حتى مصالح الدول الدائرة في فلكها.
ويقول
فيليبس «إن واشنطن تقايض الروس، وإن أساس تعاملها مع الأزمة ينطلق من العامل
الإيراني».
وإضافة
الى العامل الإيراني، لا ترى واشنطن أي مصلحة قومية مباشرة في سوريا التي تصنفها
على أنها دولة لا تملك الموارد التي تفتح شهية الشركات الأميركية العملاقة.
وحتى
الآن، تمثل الانغماس الأميركي في الحالة السورية بارسال عشرات العملاء السرّيين
الى تركيا لبناء علاقات مع أطراف في المعارضة السورية. ولم يتسرب حتى الآن أي نبأ
عن تواجد سرّي أميركي في الداخل السوري، عدا عن بعض الحالات الفردية التي دخلت
فيها «مجموعة أميركية» الى العمق السوري بهدف محدد من دون أن تبقى أكثر من 72
ساعة.
واكتفت
الولايات المتحدة حتى الآن بمساعدة المعارضة عبر غض النظر عن شحنات سلاح تمر عبر
دول أطلسية، وحتى عن بعض الأجهزة العسكرية المتقدمة، وبعض مكوناتها أميركي الصنع،
الى المعارضة السورية عبر تركيا والأردن. ويبدو أن المحطة الأساسية للاستخبارات
الأميركية التي تتابع ما يجري في سوريا تتخذ من الأردن موقعاً، وقد لعبت الدور
الأساسي في إخراج رئيس الحكومة السوري السابق رياض حجاب بعد انشقاقه.
وتلعب
«محطة الأردن» الدور الرئيسي في مراقبة «أسلحة الدمار الشامل» التي تملكها سوريا،
وهي تنسق الاستعداد الغربي الأولي للتدخل في حال تم تحريك السلاح الكيماوي، علماً
بأن موسكو أعطت واشنطن وتل أبيب ضمانات بأن هذه الأسلحة لن تستخدم على الإطلاق.
وتؤمن
محطتا الأردن وتركيا التابعتان للاستخبارات المركزية حلقتي الوصل مع المعارضة
السورية المسلحة المعتدلة عبر تزيدها بصور التقطتها الأقمار الاصطناعية لتجمعات
ومراكز حشد القوات السورية التي تدافع عن النظام، علماً بأن هذه الصور يمكن أن
يحصل عليها من يدفع للشركات التي تملك تكنولوجيا الاتصالات والمراقبة الجوية.
بريطانيا
الأكثر حماساً
تبدو
الحكومة البريطانية «الأكثر حماساً في أوروبا» لتسليح المعارضة السورية، على رغم
التردد في كل من واشنطن وتل أبيب في هذا الشأن. لكن الضغوط على رئيس الوزراء
البريطاني ديفيد كاميرون من داخل حزبه والمجموعة الصناعية البريطانية لاستغلال
«التحولات في الشرق الأوسط» لاستعادة بعض النفوذ الاقتصادي في «الدول الوليدة».
ويقول
باحثون في مراكز الدراسات البريطانية «إن السياسة التي تتبعها حكومة الشراكة في
بريطانيا وبدفع- حكماً- من حزب المحافظين أساسها فتح أسواق كانت مغلقة أمامها.
ولعل زيارة رئيس الحكومة الى القاهرة في فبراير 2011 بعد قليل من سقوط الرئيس
المصري حسني مبارك خير مثال.
كما
يتحدث معارضون عن «التناحر» بين فرنسا وبريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي في شأن
العقوبات المفروضة على مختلف الأطراف في سوريا. وتعتقد لندن «انها قادرة على بناء
شبكة علاقات جيدة مع الحكومة التي ستخلف حكومة الأسد، بسبب الصلات التاريخية التي
بنتها مع حركة الإخوان المسلمين في سوريا طيلة فترة اضطهادها في زمن الأسد الأب
والابن»، كما قال لـ القبس الدكتور اليستر شارب الباحث في جامعة لندن.
ويعتقد
شارب أن أي مقاربة لدول أوروبية في الشأن السوري تنطلق من مبدأين: أمني واقتصادي.
أمنيا:
يهم دول أوروبا، وتحديداً فرنسا وبريطانيا، أكثر دولتين تقودان أي تدخل عسكري في
المتوسط وافريقيا، ألا يتسلم المتطرفون الراديكاليون الحكم في أي بلد في حوض
المتوسط أو الخليج.
وتعتقد
دول أوروبا، أن «تحلل» الدولة السورية الحالية سيقود الى موجة لجوء كبيرة تضاف الى
موجة النزوح الى دول الخاصرة الأوروبية الضعيفة، ما يعني ضغطاً على الموارد
والمخصصات الاجتماعية، إضافة الى قلاقل وعدم استقرار أمني وارتفاع نسبة التطرف بين
الجاليات الإسلامية فيها.
ورغم
أن باريس في زمن الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند لا تريد الانغماس في مغامرات
عسكرية، كما فعل سلفه اليميني نيكولا ساركوزي، فان أهمية المصالح الفرنسية في مالي
دفعت هولاند الى إرسال قواته إلى هناك لنجدة الحكومة، مع ما في ذلك من مخاطر طويلة
المدى على المصالح الفرنسية في أفريقيا.
ومن
هذا المنطلق، قد ترى الحكومة الفرنسية أن من مصلحتها أن تتدخل، وفق أي صيغة، في
سوريا بالتنسيق مع دولة أوروبية ثانية، قد تكون بريطانيا، وعلى أساس إنقاذ مصالح
فرنسية فيها، بينها مصالح نفطية وأسواق حيوية.
وترتبط
لندن وباريس بعلاقات صداقة واقتصادية جيدة ومصالح حيوية في مجال بيع الأسلحة مع
دول عربية مؤثرة، يهمها إسقاط نظام الأسد لمصلحة نظام أكثر ضعفاً، بعيدا عن النفوذ
الإيراني ولا يمثل شوكة ازعاج لمصالحها وخططها ولا مركزاً لاحتضان معارضين.
استقرار
المنطقة
ومع
أن أنباء سُربت عن توقيع عقود بين دولتين عربيتين مع شركات أسلحة لتأمينها
للمعارضة السورية، فان ذلك لم يتأكد بعد. ولم تسمح الحكومتان (البريطانية
والفرنسية) سوى بتصدير «أسلحة غير فتاكة»، وبعض معدات الاتصال التي يمكن أن تخدم
اهدافاً مدنية وعسكرية (...).
وليس
للدول الأوروبية الباقية أي أهداف عسكرية، وإن كانت لها مصلحة في استقرار الوضع في
سوريا بأسرع وقت ممكن، حتى لا يزعزع استقرار المنطقة أكثر.
يُشار
الى أن ألمانيا، ومع رغبتها في استبدال نظام الأسد، إلا أنها لا تريد في المدى
البعيد الإضرار بعلاقات ترمي إليها بعد حين في إيران والعراق المتحالفتين مع
النظام في دمشق.
رمانة الميزان
وتأمل
تركيا، التي تمثل «رمانة الميزان»، كما يُقال، في الأزمة السورية، بأن يقتنع الأسد
باستحالة النصر، وألا يلجأ الى استخدام أسلحة جرثومية أو كيماوية، ما قد يسمح
لتركيا أن تتعاون مع النظام الجديد في دمشق لإفساح المجال أمام شركاتها الحصول على
عقود في سوريا الثورة، كما حصلت على عقود قيمة في العراق الجديد بعدما أنهى الأميركيون
مهمة إسقاط صدام حسين.
وما
لاحظه الخبير كريستوفر فيليبس أن تركيز المعارضة على «تحرير» مناطق الشمال السوري
والشمال الشرقي، قد يكون خطوة أساسية لإقامة ممر حيوي يربط تركيا مع الأردن...
وإسرائيل، ويسمح بانسياب البضائع التركية الى منطقة الخليج براً من دون عوائق
جذرية.
ويقول
الدكتور شارب «إذا نجح نظام الأسد في الصمود حتى بداية السنة المقبلة وبقيت
المعارضة مشتتة تصبح امكانات تقسيم الدولة السورية أكثر فرضية» .
ويلاحظ
أنه إذا تمكنت إيران من عقد صفقة مع الغرب يمكن أن ترى الدولة العلوية فرصاً أكبر
في الحياة.
لكن
المؤكد أن سوريا المستقبل ستكون أكثر ضعفا من أن تزعج أحداً، وفقيرة الى حد طلب
المساعدات لإعادة بناء نفسها واجتذاب الكفاءات التي هجرتها. كما ستكون دولة تابعة
في محور بدلاً من أن تكون أحد أضلاع «محور الشر»!.

0 تعليقات:
إرسال تعليق