Ads

هل مارست المحكمة الدستورية العليا دورا سياسيا


دكتور عادل عامر

برزت المحكمة الدستورية العليا كميدان للخلاف الذي لايُستهان به في العام الماضي. إذ يزعم منتقدوها أنها كانت معادية لجماعة الإخوان ومعقلاً أخيراً للنظام السابق. أما مؤيّدوها فيتّهمون الإسلاميين بعدم قبول الصوت القضائي المستقل وتنفيذ عملية ثأر ضد المحكمة.

أن المحكمة لعبت دورا بالغ الأهمية في سد النقص الملاحظ على دستور البلاد غير أن تفسير هذا الدستور تماشيا مع العصر  إن أياً من هاتين التهمتين ليست معقولة. فقضاة المحكمة الدستورية العليا هم في الواقع أكثر تنوّعاً وقد اضطلع بعض القضاة بدور عام بارز، لكن معظمهم لايصرّحون إلا من خلال أحكامهم، والتي تصدرها المحكمة ككل، بدل أن تصدر عن قضاة أفراد، مع عدم وجود آراء معارضة أو آراء أقلّية. ولذا يبدو من الصعب تجنّب الانطباع القائل إن المحكمة الدستورية العليا تشعر بأنها مهدّدة بسبب صعود الإخوان، غير أن هذا نابع من القلق من أن المحكمة هدف محتمل للإخوان أكثر من كونه نابعاً من عوامل إيديولوجية. كما أنه ليس من العدل تماماً النظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها عدواً لاستقلال القضاء. فقد خلّف الدور الذي قامت به المحكمة في حلّ البرلمان (ثلاث مرات حتى الآن)، لكن، بينما يحدّ مشروع الدستور الحالي من استقلالية المحكمة الدستورية العليا، فإنه لايهاجمها بشكل كامل (أو حتى يحاول إقصاءها) وهو ماكان يخشاه البعض. فهو يشترط إجراء مراجعة مسبقة للقوانين الانتخابية بحيث لاتكون المحكمة قادرة على حلّ البرلمانات بعد أن يُنتخَب انتخاب أعضاؤها. ومن الواضح أنه يترك مسألة تنفيذ الأحكام القضائية للتشريعات. وبموجب قانونها الحالي، يمكن للمحكمة الإشراف على تنفيذ أحكامها الخاصة، مثلما اكتشف الرئيس محمد مرسي عندما حاول استدعاء البرلمان، الذي أعلنت المحكمة أنه غير دستوري، إلى الانعقاد مجدّداً، وسعى الدستور إلى منع حدوث هذا الأمر مرة أخرى. كما يعطي المشروع الحالي السلطة القضائية برمّتها رأياً في تسمية قضاة لمقاعد البدلاء في المحكمة الدستورية العليا، وليس للمحكمة نفسها فقط، والتي تعتبر في الوقت الحاضر هيئة تؤبّد نفسها. ، فقد يرجئ الدستور المسائل الحرجة ويحيلها إلى التشريع العادي، وبالتالي يمكّن البرلمان المقبل من التلاعب بتشكيل المحكمة واختصاصاتها. سيضطّلع البرلمان بدور حاسم في أي مسألة تتطلّب تنفيذ التشريعات، بما في ذلك الأحكام المتعلّقة بالمحكمة الدستورية العليا والأزهر. وعلى افتراض وجود برلمان يهيمن عليه الإسلاميون - وهو افتراض معقول لكنه ليس حتمياً - فما هو المسار التشريعي الذي سيفجّره؟ أن يتبنّى هذه المشاريع. وسيعتمد تطور الوضع على الأكثرية التي تحظى بها رغبة البرلمان الجديد في العمل، ومدى احترامه للسلطة التنفيذية، وكيف سيحدّد الأولويات في شأن العديد من المطالب في جدول الاهتمامات التشريعية. مايبدو مرجّحاً هو أن البرلمان سيتحرّك ببطء في شأن القضايا الدينية بشكل واضح، لكن من المحتمل، مع ذلك، أن يتحرّك بوسائل لن تروق لغير الإسلاميين. وفي مايتعلّق بالقضايا المؤسّسية الأساسية، لن يسعى البرلمان بالضرورة إلى تحقيق أجندة إسلامية محدّدة. ومع ذلك، يبدو من المحتمل أن يبحث عن سبل لفتح قنوات أمام ذوي الميول الإسلامية لدخول مؤسّسات الدولة التي طالما استبعدوا منها. وقد بدأت تلك العملية بالفعل، في بعض الحالات، عبر التعيينات التي قام بها مجلس الشورى الحالي في وسائل الإعلام. في الماضي قاوم جهاز الخدمة المدنية وكذلك الجيش والأجهزة الأمنية توظيف الإسلاميين، حيث وفّرت بعض القطاعات غير الإسلامية إلى حدّ كبير (مثل السلك الدبلوماسي) الحماية ضدّ التغيير. ولذا من المرجّح أن تسعى أي قيادة إسلامية، سواء في البرلمان أو في السلطة التنفيذية، إلى إزالة هذه الحواجز. يجب أن تكون بعض المؤسّسات التي تتمتّع بقدر كبير من الاستقلالية، مثل الجيش، قادرة على الاستمرار في مراقبة عمليات التوظيف إلى حدّ ما. بيد أن محاولة تحديد المناصب التي لاتخضع إلى السياسات الحزبية في أجهزة الدولة، وتلك التي تستجيب لنتائج الانتخابات والتوجيه السياسي - وهو ذلك التفاهم الضروري لإيجاد ديمقراطية يتم إضفاء الصبغة المؤسّسية عليها بسلاسة – لم تحقّق إلى الآن سوى القليل من النتائج في مصر. من المرجّح أن تكون السلطة التنفيذية موضع خلافات وعنصراً حيوياً في الجهود الرامية إلى تحديد علاقة الدين بالدولة في مصر.

أخذت المحكمة الدستورية العليا على عاتقها دوراً استثنائياً من نواح عدة، لكنه ليس متطفّلاً. فبطريقة خفيّة، ربما تكون المحكمة قد أوضحت بالفعل بعض الالتباسات العالقة حول الإطار القانوني المؤقت في مصر، والتي تركت من دون حلّ في الإعلان الدستوري العام الماضي. ولكي نفهم لماذا تم ذلك، يتعيّن علينا التمحيص قليلاً في الحكم وفي السياق القانوني الذي صدر فيه. في إطار مراجعتها لدستورية

الأولى، أن المحكمة رفضت ما نصّ عليه مشروع القانون من أن رئاسة لجنة الانتخابات الرئاسية، التي ترأسها في البداية رئيس المحكمة الدستورية العليا، يجب أن تنتقل إلى رئيس محكمة استئناف القاهرة إذا كان يتعيّن استبدال رئيس المحكمة الدستورية العليا. وقالت المحكمة الدستورية العليا في حكمها أن هذا الحكم يخالف مواد الإعلان الدستوري في 30 مارس، الذي أشار إلى أن رئاسة اللجنة يجب أن تؤول الى أكبر نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا سناً.

الثانية، وجدت المحكمة أن مشروع قانون المجلس الأعلى للقوات المسلحة تجاوز صلاحيات لجنة الانتخابات الرئاسية أو غامر بما يتجاوز نص الدستور المؤقت في مجالات عدة: التوسّع في شروط أهليّة المرشح المحدّدة سلفاً بواسطة إعلان 30 مارس، وفرض توثيق الـ 30.000 توقيع المطلوبة لاستيفاء شروط الأهليّة، ووضع تعريف أكثر تقييداً للجنسية المصرية، والموافقة على فترة تصويت مدتها يومان (الأمر الذي كان ينبغي أن يُترَكَ للجنة الانتخابات الرئاسية).

فما الذي دفع المحكمة الدستورية العليا إلى مراجعة قانون لم يصدر بعد؟ المحكمة لم تمارس أبداً تقريباً مراجعة مسبقة، حيث كان عملها الدستوري يقتصر إلى حد كبير على مراجعة القوانين بعد صدورها. لكن هذا لم يكن انتزاعاً للسلطة من قبل المحكمة، بل العكس تماماً. إذ كُلّفت المحكمة الدستورية العليا تحديداً، بواسطة الإعلان الدستوري في البلاد، بإعادة النظر في مشروع القانون قبل أن يصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وتم منحها دوراً مماثلاً في العام 2007، عندما طُلِبَ إليها مراجعة مشروع القانون بشأن الموضوع نفسه. فلماذا تنازل الرئيس المصري المخلوع وجنرالاتها الحاكمون عن مثل هذا الواجب الهام لمحكمة ليست تحت سيطرتهم الكاملة؟

على الرغم من أن الأمر قد يبدو وكأنه تنازل للسلطة القضائية، فإن منح المحكمة الدستورية العليا السلطة لاستخدام حق النقض الاستباقي ضد مشروع القانون، سوف يحول بالفعل دون شن هجوم أكثر ضرراً على شرعية السلطة التنفيذية في المستقبل. وكما فعل مبارك سابقاً، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يريد، وبأي ثمن، تجنّب قيام المحكمة الدستورية العليا بإلغاء مثل هذا القانون بعد انتخاب الرئيس. ومثل هذا الحكم بعد وقوعه سوف يخلق على الفور بلبلة وفراغاً في القيادة. وقد كان ثمّة سبب للاعتقاد بأن المحكمة الدستورية العليا قادرة على القيام بمثل هذه الخطوة، لأنها ألغت في وقت سابق القوانين التي تم بموجبها انتخاب البرلمانات الحالية، ما اضطر السلطات إلى أن تضع قوانين جديدة وبالتالي انتخاب برلمانات جديدة فوراً.

 لذلك فإن ما قد تبدو وكأنها لعبة سلطة وقائية من قبل السلطة القضائية، كانت في الواقع نتيجة لمناورة مدبّرة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمنع حصول طعن أكثر خطورة في الصلاحيات القانونية في المستقبل.


--
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية
-->

0 تعليقات:

إرسال تعليق