دكتور عادل عامر
إن الخطاب السياسي تنتجه سياقات المناخ السياسي السائد، ونوعية هذا المناخ تتحكم بلغة الخطاب، ومن ثم قدرته على العيش داخل خطابات متعددة الأغراض والرسالات والأهداف والمشروعية، إن أزمة الخطاب السياسي تتمثل في كونه سطحياً ولا يتعدى المكاسب السياسية الآنية أو التكتيكية، وهو ما لا يمكن القول بأنه خطاب يحوي بداخله رؤية سياسية شاملة وكاملة تعبر عن أشواق وتطلعات الجماهير. الخطاب السياسي ابتعد عن أهدافه وخرج عن مساره في رسم رؤية الإصلاح السياسي والخطوات العملية لتحقيقه إلى التهديد والوعيد، يحاصر لغته الإقصاء من جهة والاحتقان السياسي والانفعال من جهة أخرى ما جعله يستسهل الخطاب المبتذل ويقع فريسة لعبارات وألفاظ تجرح العادات والأعراف الأخلاقية المتوارثة في منهجية النقد وآدابه التي تحث على الترفع عن سقط الكلام ومبتذلاته. بالتأكيد لانريد من الخطاب السياسي أن يمارس لغة الغزل السياسي أو لغة (قطط سيام) تحب من يمسح على ظهرها فتستكين فيتحول إلى خطاب مسخ لا يعبر عن هموم المواطنين ورغبتهم الوطنية الصادقة في الانعتاق من أغلال التأزيم السياسي كما لانريد للخطاب السياسي أن يمارس (الزغل السياسي) ويكون هدفه الوصول إلى غاياته وطموحه السياسي عن طريق دغدغة مشاعر الجماهير وإثارة شجونها. الخطاب السياسي الذي يسعى للبناء والتعمير السياسي لا يلجأ إلى لغة السباب والشتائم كما إن قبول الخطاب المبتذل أمر غير مقبول ويجعلنا نقف على فالق زلزال لا نعرف إلى أين يمكن إن تحدث توابعه من خراب وهدم كل ماجبلنا عليه من قيم وأخلاق واحترام متبادل حتى مع الخصوم دون تجريح أو مس بالكرامات. قد نحتاج في إحدى مراحل الإصلاح السياسي إلى الخطاب السياسي الذي تثور منه رائحة البارود لتعبئة الجماهير لمحاربة الفساد وشحن معنوياتها للوقوف خلف من يمثلها لمواجهته.. ولكن لكل مقام مقال ونحتاج اليوم إلى عقلنه الخطاب السياسي لصياغة أهدافه وبرامجه الإصلاحية برؤية مستقبلية وعرضها على الجماهير للالتفاف حولها وحمل رايتها. يجب أن تكون حاضرة للخطاب السياسي ولمفاجآت المستقبل ومواجهة خفافيش الظلام. يبدو هذا الارتباط بين اللغة ونوع السلطة مبرَّرا؛ نتيجة للوظيفة التي تقوم بها اللغة السياسية للأنظمة الديكتاتورية الحاكمة. فحين تكون الوظيفة الأساسية للخطب والكتابات السياسية هي «الدفاع عن سياسات لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها في الواقع» فإن اللغة التي تستطيع «جعل الأكاذيب تلبس ثوب الحقائق» تصبح أداة حتمية لضمان استمرار هذه النظم. وهو ما يؤدي بدوره إلى تدعيم هذه اللغة الفاسدة «المضلِّلة»، وتقويتها حتى تًصبح مهيمنة ومسيطرة، بينما تُحارب اللغة «الصالحة» الكاشفة، بما يؤدي إلى اختفائها وتواريها.
إن الصراع الناشئ بين اللغتين (الكاشفة والمُضلِّلة)، الشكوى من رجال الحكم طبيعة في الأمم، وقلَّ أن تجد في التاريخ حاكماً استطاع أن يرضي الناس جميعاً، ولعل منشأ ذلك: أن أهواء الناس متعددة، ومنافعهم متضاربة، وكل منهم يريد تحقيق مصلحته، وليس يستطيع الحاكم ذلك ما دام في الدولة قانون يحكم، وشرع يسود، ومن هنا يقول شاعرنا:
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام! هذا إن عدل
أما إذ الم يعدل: أما إذا حاد عن طريق الحق، واتبع أهواء النفس، واستغل منصبه لتقريب الأنصار ولو كانوا بلهاء، وإبعاد الخصوم ولو كانوا أكفاء، فكل الناس أعداء له، وأول أعدائه في الحقيقة أولئك الذين يدوس حرمة القانون ليقربهم إليه، وليحقق لهم أغراضهم ومصالحهم. وبذلك اعتاد الشعب خلال ربع قرن كامل أن ينفر من كل حكومة قائمة، ويرى في كل قانون تسنه قيداً جديداً ترهق به ماليته وحريته وكرامته.هكذا كانت وقودا ودافعا إلي ثورة 25 يناير وذلك يوم كان المستعمر الراحل هو الذي يعين الحكام، وهو الذي يؤلف الوزارات، وهو الذي يأتي إلى الحكم برجال لا تعترف الأمة لهم بفضل ولا بوطنية ولا بإخلاص، وأصبح التذمر لنا عادة دائمة، والشكوى من رجال الحكم نغمة مستحبة حتى بعد قيام العهد الوطني، ولم يكتب لنا في التاريخ أن تمتد الأيدي بعضها إلى بعض فتنطلق متعاونة في البناء، متفاهمة على الخير، واستمرت الجفوة حتى وصل الأمر أن يتراشقوا بالتهم في ندوتهم، وأن ينقلب سلاحهم إلى تهديد بالمسدسات، وهجوم بالكراسي، وغير ذلك
من المسئول عن ذلك؟ أهي الحكومة؟ نعم! ونقولها بكل صراحة. أم هو الشعب؟ نعم! ونقولها بكل وضوح. فالحكومة مسئولة لأنها لم تحسن تصريف الأمور في كثير من الأحيان، ولم تستطع أن تكون جريئة في الإصلاح، ولا واضحة في الإدارة، ولا متخلية عن أهواء بعض وزرائها الذين أصبحت خطتهم مثلاً سائراً يتحدث به الناس في مجالسهم. فهل نعجب بعد ذلك إذا ارتفعت الشكوى بحق وبغير حق من فساد الأوضاع، واختلال النظام، وتشجيع الخونة والعجزة، وإقصاء الوطنيين والأكفاء، والاستهانة بمالية الأمة ومقدرات الوطن؟ وقد تكون الحكومة معذورة في بعض، وقد تكون مجتهدة فأخطأت الطريق، وقد تكون لها سياستها التي دقت عن أفكار النابضة من الشعب! ولكن الأمة لا تعذرها في ذلك كله ما دام تصرف بعض المسئولين فيها تصرفاً كيفيًّا ينبو عن قواعد الدستور، ومبادئ العدالة، ومتعارف الناس في أخلاقهم وعقائدهم. وأما الشعب: فهو المسئول أيضاً؛ لأنه لم يحسن اختيار نوابه والمتكلمين إن الشعب هو المسئول؛ لأنه هو الذي يجب أن يختار نوابه، فإذا شكا اليوم وتألم فليظهر غداً إرادته الواضحة في إقصاء من يتألم منهم وإبقاء من رضي عنهم، أما الشكوى في الأندية والأسواق والشوارع، ثم السكوت وقت الانتخابات، أو المجاملة والرضوخ لإرادة المتنفذين؛ فتلك علامة الموت، وتلك خطة الشعب الذي ابتلاه الله بالثرثرة وطول اللسان، والتقصير في الأعمال الصالحة في كل ميدان. وما دامت قواعد الانتخاب على شكلها الحاضر، وطرق النيابة على ما اعتاد الناس رؤيته في كل دورة انتخابية، فسيمثل الأمة من لا تريده الأمة، وسيحكم فيها من لأي يحسن الحكم، وستزداد الأوضاع سوءاً، والبلاد اضطراباً، وستكون الفرصة مواتية لبعض المغرضين أن يستغلوا نقمة الأمة من أشخاص فيحولوها إلى أن تكون نقمة من حكم، وغضباً على عهد، وحنيناً إلى أيام سوداء رأت فيها البلاد ألواناً من النكال والمآسي والنكبات.
الطريقة الوحيدة لاستقامة الأمور: أن يترك الشعب حرًّا في اختيار نوابه مباشرة، وسيقول بعض الناس: أليس الشعب الآن حرًّا في اختيار نوابه مباشرة، ونحن نحيلهم إلى الخزائن التي تفتح، والولائم التي تقام، والوعود التي تعطى، والمؤامرات التي تحاك! ليروا إن كان هنالك شعب ينتخب أم أفراد يتآمرون!. إن على ملوكنا ورؤسائنا أن لا يحولوا بيننا وبين الحرية والحياة السعيدة؛ لنشعر بكرامتنا في أنفسنا قبل أن نطلب كرامتنا في نفوس أعدائنا، إن خيراً لهم وأكرم لقيادتهم وأعظم لمكانتهم أن يقودوا أمة من الأسود، من أن يجروا وراءهم قطعاناً من الغنم!.
لا تبيعونا في سوق المصالح
وإن على ملوكنا ورؤسائنا أن يعلموا حين يفاوضون باسمنا حول مشاريع يراد لنا أن نوافق عليها.. أننا نحن أبناء الشعب؛ نحن الذين سندفع الثمن من دمائنا ومن أموالنا ومن أراضينا ومن ذرارينا ومن حرماتنا ومقدساتنا، ولن نكون أمة تبيض وجوه قادتها يوم اللقاء، إلا إذا دافعنا عن بلادنا وحرياتنا ونحن أقوياء أحرار لا نباع في سوق المصالح الخسيسة بيع الرقيق على أيدي أخس النخاسين ذمة وضميراً!.
--
كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق