الاثنين، 18 فبراير 2013

التحرش يضرب السياحة في مصر


تقرير/ عبدالحميد شومان

لأول مرة في تاريخ مصر تشهد شوارع القاهرة تظاهرة نسائية ترفع فيها المشاركات أسلحة بيضاء، مما أثار اهتمام الجماهير، الذين شاركوا بالتصفيق لشجاعة المتظاهرات، اللواتي أعلن إصرارهن على الاستمرار في التظاهر والاحتجاج جنباً الى جنب مع الشباب في ميدان التحرير وجميع الميادين الأخرى في مصر.
لقد قررت هؤلاء الناشطات أن تزايد حالات التحرش الجنسي، الذي أخذ في الآونة الأخيرة صفة «التحرش الجماعي»، والذي استشرى في ميدان التحرير على وجه الخصوص، يحتاج الى مواجهة من نوع آخر، وقررن أن يستخدمن في هذه المواجهة «السلاح الأبيض» والصواعق الكهربية لمواجهة إجرام عصابات التحرش.
إرهاب ممنهج
العديد من الندوات والاجتماعات عقدت في الأيام الأخيرة لمواجهة ما أسمته ناشطات سياسيات «خطط ممنهجة» لإرهاب النساء وتخويفهن، خصوصاً الفتيات الناشطات، بهدف إخراجهن من ساحات العمل السياسي الاحتجاجي على وجه الخصوص، وهو ما تمت مواجهته بشجاعة نادرة من خلال خروج العديد من الفتيات والسيدات سبق أن تعرضن لحالات تحرش واغتصاب في ميدان التحرير وعلى أطرافه للحديث عن هذه التجربة المؤلمة، وان ما حدث لن يجعلهن يهربن من الميدان، خصوصاً أنهن تلقين الدعم النفسي من الأهل والأصدقاء والزملاء. أما التطور الأهم فهو البدء في حمل أسلحة بيضاء وصواعق كهربية لاستخدامها وقت الحاجة.
في الوقت نفسه، تزايدت المجموعات الشبابية لحماية الفتيات، وأصبحت أكثر تدريبا على التدخل بسرعة للتصدي لحالات التحرش، وهم يرتدون زيا موحدا لتسهيل عملهم الجماعي، خصوصاً أن حالات التحرش تشهد مشاركة أعداد غفيرة تتجمع حول الضحية في عدة دوائر يصبح اختراقها عملية مستحيلة تقريبا.
إصرار على المواجهة
استهداف الناشطات السياسيات بالتحرش والاغتصاب، توافق مع استهداف ناشطين من الشباب بالقتل. فأصبح شهداء الشباب (محمد الجندي، الذي قتل بحادث سيارة على الأغلب، وجيكا الذي أصبحت صورته أيقونة الثورة مثل غيفارا، ومحمد الذي أسمى نفسه كريستي تضامنا وتلاحما مع الشباب المسيحي الشهداء ومنهم مينا دانيال) ملهمين لزملائهم وأصدقائهم، لا سيما شباب «الالتراس» الذين يبدون إصرارا لا يلين على الانتقام لدماء زملائهم بطريقتهم الثورية الخاصة جداً. فظهرت جماعات «البلاك بلوك» وأقنعة «فانديتا» وتكتيكات جديدة بقطع شبكات المترو والجسور الرئيسية وحصار بورصة الأوراق المالية. وذهب هؤلاء الشباب الى حد دهن مكتب النائب العام باللون الأحمر رمزا لدماء الشهداء الذين لا يزالون يتساقطون بعد مرور عامين على الثورة. وأصبح هناك شهداء لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك وآخرون شهداء المجلس العسكري وأخيرا شهداء الرئيس محمد مرسي، الذي يصفه الشباب الثائر بأنه «مبارك بلحية». كما طالب الكثيرون بمحاكمة الرئيس مرسي لمسؤوليته السياسية عن قتل الشباب أو الإفراج فورا عن مبارك المسجون بالتهمة نفسها!
«الشورى» يتهم الضحية
مجلس الشورى، الذي تهيمن وتسيطر عليه جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها من الأحزاب السلفية، تحول الى ساحة للهجوم على الفتيات والسيدات ضحايا التحرش والاغتصاب الجماعي. وقال أحد النواب «إن الزي المثير الذي ترتديه الفتيات هو المسؤول، إضافة الى تواجد الفتيات غير المبرر وسط الشباب وبذلك يسعين للتحرش بهن»! وقال أحد شيوخ الفضائيات إن 90 % من المشاركات في التظاهر صليبيات (مسيحيات) والباقي يبحثن عن التحرش والاغتصاب!
وبدلا من إصدار قانون سريع لتجريم التحرش وتوفير قوة شرطة تتولى حماية التظاهرات السلمية، طالب العديد من نواب «الشورى» بإخضاع كل من يتعرض للتحرش والاغتصاب، امرأة أو رجلا، إلى الطب الشرعي للفحص، وهو تكرار لما حدث أيام المجلس العسكري بإخضاع عدة فتيات لفحص تحت مسمى «اختبار العذرية»!
التزايد المخيف في حالات التحرش في مصر والتي جعلتها تحتل المركز الثاني بعد أفغانستان، لم يضرب الناشطات السياسيات فقط، وإنما تسبب في المساهمة بقدر كبير في ضرب السياحة، وأصبحت معظم دول العالم تحذر مواطنيها من التعرض للتحرش أثناء زيارة مصر. والمثير أن يحدث ذلك بعد الثورة التي خطفت انتباه العالم إعجابا بها.
وبينما تؤكد جبهة الإنقاذ والجماعات الثورية أن هناك خطة لإرهاب وأبعاد المرأة عن كل مجالات العمل السياسي في الشارع عبر إطلاق جيوش البلطجية والشباب الجائع على الفتيات للتحرش الإجرامي بهن، فان العديد من المراسلات والصحافيات الأجنبيات تعرضن لتحرش بشع في ميدان التحرير، وعدن يتحدثن عما حدث لهن، وبالطبع ساهم ذلك في توجيه ضربة للسياحة توجت باقتحام أكبر فنادق القاهرة في الاحتجاجات التي صاحبت مرور عامين على الثورة، والنتيجة أن الموسم السياحة الشتوي فشل فشلا ذريعا.
الدولة الفاشلة
ومع استمرار تراجع الأحوال الأمنية وزيادة جرائم السرقات المقترنة بالعنف، قام آلاف من جنود وضباط الشرطة بإضراب مطالبين بتسليحهم لمواجهة العصابات المسلحة والتي قتلت العديد من الضباط والجنود، ومع مشروعية توفير القدرات الدفاعية للشرطة فان هناك مخاوف أن يمتد استخدام القوة في مواجهة المتظاهرين السلميين أو حتى الذين يستخدمون وسائل احتجاج بقطع الطرق وحصار المنشآت العامة، وهو ما يهدد بوقوع مزيد من الضحايا، بالضبط كما حدث عندما تصدت الشرطة لتظاهرات غاضبة وعنيفة قام بها الآلاف من أهالي مدينة بور سعيد بعد صدور قرارات إعدام عدد من شباب المدينة المتهمين بارتكاب مذبحة بور سعيد ضد التراس النادي الأهلي العام الماضي، وهو ما أدى الى مقتل عدد كبير آخر من أهل بور سعيد المحتجين على الأحكام القضائية.
دوامة العنف بكل صورها - من التحرش والاغتصاب الجماعي للنشاطات السياسيات الى قتل الشباب الثوري - وردود الفعل الغاضبة من عمليات حصار القصر الرئاسي ومحاولة اقتحامه وإحراقه، وكذلك عمليات قطع الطرق والجسور وحصار المنشآت العامة، وفشل كل محاولات الحوار الجاد بين الحكم وقوى المعارضة، واستمرار الأزمة الاقتصادية الحادة والتراجع الأمني وانهيار السياحة والخدمات العامة.. كل ذلك عوامل مخيفة تقرب مصر من مصاف الدولة الفاشلة، وهو ما يحتاج الى معجزة لإنقاذ البلاد من الانزلاق الى مزيد vwمن العنف وانهيار الدولة نفسها.

-->

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق