السبت، 9 فبراير 2013

عندما يفشل العاجز ويموت الضمير


بقلم/ طه حسين

في عهد ما قبل الثورة – ملاذا عند الأزمات والانهيار, فإذا بها – بعد الثورة – لمّا تبرح مطامع الصبا وأحلام الصغار, وضلّ عنها العقل وتاه عند مواطن الجد, وحسم الاختيار! كما عرّي نفوسا كنا نعدها – قبل الثورة – من المجاهدين المناوئين المكافحين الأخيار, فإذا بها - بعد الثورة – تتحالف مع كل ناعق حتى ولو كان من الحاقدين الناقمين المتربصين الأشرار).

حقا لقد كان استبداد النظام البائد وتقييده للحريات غطاء لكثير من تلك العقول التي كشفت أجواء الحرية عن تفاهتها وفراغها من كل فكر إلا من الصياح والنفاق والكذب، كما كان الاستبداد سترا لنفوس تعرّت في أجواء الحرية من كل فضيلة واكتست بكل رذيلة.

رأينا هؤلاء قبل الثورة ينادون بالحرية ولا يرون بديلا لتداول السلطة إلا بالمسيرة الديمقراطية فلما أكرمنا الله بالثورة, ونعم الناس بنعمة الحرية, وأصبح للدولة – ولأول مرة - رئيس منتخب باختيار حر وإرادة شعبية, نكصوا على أعقابهم, وانقلبوا على الشرعية بطريقة همجية تدعو إلى التصعيد والشحن والتحريض وإشاعة الفوضى, واستخدام العنف بطريقة دموية, لا لشيء إلا لأنهم فشلوا في التجربة الديمقراطية التي أتت بغيرهم, وتركتهم في العراء بلا رؤية, ولا قدرة على الحشد والجمع عند صناديق الاقتراع بنزاهة وحرية.

وجاءت الذكرى الثانية للثورة , وطمعنا أن يفخر الجميع ويحتفي بها, وبما جاءت به من نعمة الحرية, وعودة السيادة للشعب, وإحساسه بكرامته الإنسانية. فإذا بنا نسمع ونرى تصريحات نارية تدعو بهدم كل ما قام حتى ولو كانت إقامته بإرادة شعبية. وتحركت جموع للتخريب والاعتداء على مؤسسات الدولة بإطلاق زجاجات المولوتوف الحارقة والكرات النارية، ومن ورائهم مَن يدعو إلى التصعيد وإشعال الفتنة  وإشاعة الفوضى بكل الوسائل الهمجية. فمنهم من دعا إلى احتلال مجلس الشورى, ومنهم من دعا إلى عصيان مدني, ومنهم من طالب قيادات الجيش بالقبض على رئيس الجمهورية, ومنهم مازال في ضلاله القديم يهرف ويقول: لن يعود الأمن لمصر إلا بدستور جديد وحكومة إنقاذ وطني.

وأخيرا, خرج علينا من يُسمون بـ(البلاك بلوك) التي تعترف بأن هدفها ضرب مؤسسات النظام, وتعلن أن مشاركتها جاءت لتحقيق عدة مطالب منها: إسقاط النظام، وتشكيل مجلس رئاسي لإدارة شئون البلاد، وحل مجلس الشورى، ومحاكمة مرسي وأعوانه من قتل الثوار، وحل جماعة الإخوان أسوة بحل الحزب الوطني.
 بيد أني أتساءل ولعلك تتساءل معي.. لم الانقلاب على الشرعية؟ ولم الافتئات على إرادة الناس الشعبية؟ أما كان أولى بهؤلاء أن يقفوا علي أسباب فشلهم, وينشغلوا ببناء أنفسهم بدلا من انشغالهم بهدم غيرهم وهدم ما قام من مؤسسات!؟

ولعل الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في معرفة نفسية العاجز الفاشل إذا مات ضميره. إن العاجز الفاشل قلما يلوم نفسه بقدر ما يلوم غيره, ولا يهتم ببناء نفسه بقدر ما يهتم بهدم غيره.
إنه منهج إبليس من قديم، الذي لام ربه الذي خلقه ولم يلم نفسه, وأخذ يتوعد آدم وبنيه بالإغواء والتضليل. "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" (الأعراف الآية 16، 17)

كما أنه منهج الفشلة الذين انطبعت نفوسهم على الشر والإيذاء. تأمل ما صدر عن (ابن آدم) الذي لم يُتقبل منه قُربانه, فبدلا من أن يبحث عن أسباب فشله ويصلح من شأن نفسه, اتجه إلى هدم بنيان أخيه فقتله!
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ".. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (المائدة الآيات 27-30).
حقا إنها نفسية العاجز.. إذا فشل ومات الضمير فلم يبقَ عنده – إذا تمكن - إلا الهدم والتخريب والتدمير.

-->

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق