Ads

حـســـن زايـــــد .. يـكـتـب : إعلان الحرب علي الفقراء

 عادة في الحروب ما يسبق الهجوم ما يسمي بالتمهيد النيراني لأرض المعركة ، حيث يتم إمطار مواقع العدو بكثافة نيران عالية تدفع فئرانه إلي الإحتماء بالجحور ، وبذلك يتسني للقوات المهاجمة التقدم في أرض المعركة دون معوقات . ومن يطالع الصحف المصرية العامة والخاصة ـ وكذا وسائل الميديا ـ  وما تحمله من عناوين متعلقة بالدعم والأسعار ، وتصريحات السادة المسئولين بهذا الخصوص ، يشعر بأن الحكومة قد أعلنت الحرب علي الشعب ، أمر مفزع ، وشيئ مخيف يتهدد حياة الفقراء في هذا البلد ، نعم هناك كارثة تنتظر الدولة المصرية لو لم تتخذ تلك الإجراءات ، ونفق مظلم لو دخلناه ما خرجنا منه إلي يوم يبعثون ، ونحن نقدر لحكومة المهندس محلب رغبتها في التقدم دون معوقات بعد أن قررت التدخل الجراحي لاستئصال المرض . فقد شخصت الحكومة الداء ، ووصفت الدواء ، وكان من ضمن الدواء رفع الدعم بالكلية عن الوقود والطاقة وسلع أخري . وقضية الدعم هي في الأصل من المضحكات المبكيات في آن معاً ، لأن الدعم كفكرة دخلت في الأصل لمعالجة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع ، ومحاولة ردم الهوة الواسعة بين القادرين اقتصادياً وغير القادرين . وبمجرد إقرار الدعم برزت إلي الوجود مشكلة أخري ، هي مشكلة وصول الدعم إلي مستحقيه ، وأصبحت لدينا معضلة في تحديد مستحقي الدعم ، حيث تبين من خلال التطبيق أن الدعم ينتفع منه الجميع ، بل إن القادرين أكثر انتفاعاً به من غيرهم باعتبار أن لديهم القدرة والحظوة والسرعة في الوصول إليه . ثم انتقلنا إلي نظرية الدعم النقدي ، والدعم العيني ، وأيهما أجدي وأنفع وأنجع ؟ . كل هذه الإنتقالات بما تحتاجه من وقت للمناقشة والدراسة والجدل وتشكيل اللجان تمر علي فقير يكتوي بفقره ، ويلتهب ظهره بسياط الحاجة الملحة للماء والغذاء والكساء والسكن والعمل والتعليم والزواج ، ولا يجد في يده ما يعينه علي مواجهة متطلبات الحياة ، ومطلوب منه أن يتصبر حتي تمر مصر من عنق الزجاجة ، وكأنه الوطني الوحيد الذي يتعين عليه أن يضحي من أجل الوطن . لقد أكل منه الصبر اللحم حتي العظام ، بل إنه إمتص النخاع من العظام . وكأن هناك من لا يريد ، ولا يرغب في إخراج الفقراء من دائرة الفقر الملعونة ، فالفقراء هم وقود الحياة الذي يحترق من أجل أن يحيا الآخرين ، ومن هنا تولدت الرغبة والإرادة في الإبقاء عليهم علي وضعهم وبحالتهم . فبدلاً من ابتكار آليه إقتصادية تحول بين القادرين وبين مزاحمة الفقراء في دعمهم ، وابتلاعه ضمن أشياء أخري يجري إبتلاعها في هذا الوطن بحق أو بغير حق  . أو ابتكار آلية إقتصادية ترفع غير القادرين إلي مستوي القادرين ، فلا تكون هناك حاجة إلي الدعم أصلاً ، وجدنا الحكومات المتعاقبة تتاجر بقضية الدعم عند مناقشة إخفاقاتها ، لأنهم صوروا للفقراء ـ وهماً ـ أن الدعم خط أحمر لا يجوز الإقتراب منه ، وتحول الدعم من حل لمشكلة إلي مشكلة في حاجة إلي حل . وهكذا وجدنا أنفسنا كدولة وكشعب في مواجهة مشكلة مزمنة تحتاج إلي تدخل جراحي عاجل . هذا التدخل الجراحي يتعين أن يتحمل الجميع ضريبته ، كل بحسب قدرته . وهذا يعني أن القضية ليست في رفع الدعم بالكلية ، ثم تترك الأمور إلي آلية السوق بعد ذلك يتحكم في الأوضاع كيف يشاء ، لأن في ذلك ذبح للفقراء مرتين ، مرة بيد الحكومة برفعها للدعم ، وأخري بأيدي القادرين بإلقاء نصيبهم علي عاتق الفقراء . ويكون ذلك بقيام التجار ورجال الأعمال بإلقاء تكلفة رفع الدعم علي عاتق المستهلك ، حيث يتم إزاحة تكلفة رفع الدعم إلي المستهلك النهائي ، وهو لا يملك إزاءها دفعاً . فهل ستكتفي الحكومة بالمناشدات والتعويل علي الحس الوطني في عدم الإلتجاء إلي هذا الأسلوب من قبل المنتجين والوسطاء من تجار جملة وتجزئة ؟ . أنا أعتقد أنه حري بالحكومة أن تبحث في أجندتها عن آلية إقتصادية فاعلة في محاربة هذه الظاهرة ، ولتكن تلك الآلية دخول الدولة كمنافس قوي في الأسواق . وحتي بالتطبيق الصارم لآلية ضبط الأسعار المختارة ، يظل الفقير وغير القادر يئن تحت وطأة الأسعار التي كانت سائدة قبل رفع الدعم ، لأنه في الأصل لم تحدث أي معالجة للإختلالات الهيكلية في الأجور . ويظل الفارق بين الحد الأدني والحد الأقصي للأجور يمثل هوة عميقة تستعصي علي الردم . إن رفع الدعم علي هذا النحو الجراحي دون البحث في آلية لضبط الأسعار يمثل حرباً علي الفقراء ، بما يتعارض ويتناقض مع ما دعي إليه السيد رئيس الجمهورية . خاصة في ظل التقاعس الملحوظ من جانب رجال الأعمال عن دعم الإقتصاد المصري .

0 تعليقات:

إرسال تعليق